قال لي وهو يبحث عن كتاب في رفوف المكتبة الأدبية في بيته :
 _ أنا رجل خلقت للأدب... ومن أجله أبحث الآن.... وسأظل أبحث إلى حدود الموت... أنا أفضل من طه حسين ونجيب محفوظ لذلك لا أقرأ لهما ولا أحلم بأن أكون مثلهما... أنا أحلم بدرب قصيرة توصلني إلى الأدب دون عناء ودون كتابة... الأدب يا صديقي ليس هو أن تكتب قصيدة أو قصة أو رواية أو رسالة... بل هو أن تحلم بفتاة عذراء تعيش معها قصة حب إلى الأبد !!
وأنا أفكر في الرد عليه قلت له : إذن، دع عنك أدب الكتابة لي وخذ أنت أدب الحب إلى الأبد !!
عزيز العرباوي

في مدينته البئيسة سُحبٌ واطئة تتربع على قبب الجلاليب والهامات. ندفٌ ثلجية لم تنقطع منذ أيام، كأن المكان اقتُطع من إحدى قرى النرويج أو... أحسّ ببرودة تدب في جميع أوصاله. همّ أن يدخل أول مقهى صادفه. تحسّس جيوبه. سرعان ما تصاعد بخار كثيف من فمه وهو يقول:
- تبّا، الجوّ غربي والجيب مغربي..

salmiرغيف :
يسعى من أجل رغيف ...الضيعة التي رأى فيها النور خيراتها وفيرة, لكن يدها مغلولة إلى عنقها...تحول إلى عبوة ناسفه...

تمثال الموؤودة :

الأعمى..
كان منتصبا أمام باب المسجد مثل علامة مرور ثابتة..يده اليمنى مبسوطة..ويده اليسرى تمسك العُصَيَّة البيضاء..وعلى عينيه نظارتان سوداوان..ورأسه مرفوع قليلا إلى الأعلى..
   غادر آخِرُ مصَلّ ٍالمسجد..وأغلق المكلفُ الباب الكبير بزكروم الحديد..نزع النظارتين السوداوين ودسَّهما في الجيب الداخلي لسترته..طوى عُصَيَّته ووضعها في الجيب الخارجي..ثم ذاب وسط المارة..  
 
 براءة
قالت الطفلة لصديقها:هيا نلعب لعبة العريس والعروس..
قال الطفل: أنا أقوم بدور العروس…

وقبيل الفطامِ أخذتهُ إلى نافذة الليلِ؛ تعلِّمه أولَ ما في الدنيا من أسماءِ.
قالت: أسود!
لحظتها حطَمُوا باب سقيفتهم؛ فهبَّ من اللفة؛ وبحنجرةٍ عالمةٍ صاح:
اترك أبي يا سافل!
لكنَّ وجهَ أبيه في بئرِ الليلِ تباعد؛ وكلُّ الألوانِ غرقت في اللون الأسود!

تحت السقفِ صمتٌ، وعلى الجدرانِ أكياسٌ معلقة؛ فيها رؤوسٌ ارتختْ؛ الكفوفُ فوق، والسيقانُ هائمة!
خارجَ الدهليزِ امتشقَ الكبيرُ نصرَهُ، والجندُ قد شرعوا في جلب المكفنين إلى المِقصَلة!

منذُ تمَّ قصفُه؛ وكلما الشمسُ إلى غسقٍ تميل؛ نصفُهُ العلويُّ يمضي فوق عربتِه الواطئة؛ ليطرحَ السلامَ على قبرِه الموعود، ثمَّ لساقيهِ المكفنتين يتلو الفاتحة!
منذُ تمَّ قصفُه!

أوهام
غاص في الوحل ..
فتمسك بحبال الحياة الذابلة..
ثم سقطت مساحيق وجهه..
في واقع يتسم بالإزدواجية..!
………………..
خط الإنفلات
يقبض على جمرة الحلم..
لتفجير الرغبة المكبوتة..
أحدث زلزلة المقهور..
فحاصروا الذاكرة من جديد..!

سألوه: كم ولدا أنجبتَ؟
قال: عشرة!
قالوا: وما حاجتك إلى عشرةٍ من الذكور؟
قال: خمسةٌ يذبحهم إخوتنا من خلف الرقاب، وأربعةٌ يذبحهم بنو إسرائيل!
سألوهُ: والعاشر؟
قال: يصلُ بالرايةِ يوما مع الواصلين؛ إلى مدينةٍ كانت يظلل وجهها البرتقالُ والياسمين!

وقـف حـشـدٌ من النـاس أمــام بـابِ الـعـمارةِ يتـطـلّـعُ إلـى أعـلى ...
مِـنْ عـلى حـافّـةِ الـطّـابق السـابع يتـراءى جنديٌّ بـزيّـه الـرسمـي يبغـي السـقـوطَ ..
منـاداةٌ مِـنَ الأمـام وأخـرى من الـخلفِ تـرجـو منـه الـتـعقّـلَ .. حـلّـتْ بـالمـكان قـــوّةُ الــتــدخُّـل السّـريــعِ ..
تـدورُ الأرضُ بـما رحُـبَـتْ والـسـماءُ بـمـا حَــبِـلَتْ والـعمـارةُ بـما احتـوتْ فـي عـينـيْـه وتـختـلِـطُ .. يـلـعـنُ اليـومَ الـذي أصبـح فيـه عسـكريّـاً بـذاك الـمرتـّبِ ..
بالـصّـدفة حـلّ سـاعي البريد يـحـملُ مكـتـوبــاً مغـلّـفاً باسمـه، تسـلّـمته الزوجـةُ، تفـتــحُ الـظّــرفَ مُـتلـهِّـفـةً، تـصــرخُ بأعــلى صوتِـها: "صافي تْـراجْـعْ هـاهْـمّـا رقّـاوكْ" ..

مازلت أؤرخ في كتب لم تحمل في أغلفتها تاريخ الطبع لرحيل شتاء غريب الطور. لم تكن لهجته البرد و لا سمته، غير أن السحاب اقترف كثيرا من اللعنات ،فقد أصر أن يكذب على شقراء وعدها الإمطار في حلم يحتاج الورد فيه إلى القطر و ماء المزن و آثار البر و صوت المطر.
كنت أعرف منذ صغري أن السُّحب المتجمعة على رقاب الأطلس – تنهي السلسلة رحلتها في الوطن القبلي بتونس- كثيرا ما تكذب...كنت فقط هذه المرة أرجو صدقها لأن شجري كان يموت .

هناك؛ حيثُ العيون هزَّها الانفجار؛ ثمَّ غامت في الغبار!
هناك؛ عندما رجلُ الإنقاذِ جاء يبكي؛ ثمَّ ارتمى مثل كلبٍ كسيح!
هناك في الردم كانت بنصف جمجمة، ممددة؛ بعينٍ مغمضة؛ وبالأخرى ترنو إلى رضيعِ؛ بقبضةِ اليدِ كان، لكنَّه قد غدا كهلا أشيبَ!
هناكَ؛ كان الحليبُ على لحيتِه الشهباءِ يُمطِرُ؛ وقد تعلقُ بثديها مرعوبا كما الغريق!
هناك!

حلّل الأخبارَ للناسِ دهرا بمقلتيهِ، ورقِّصَ الحلمَ لهم على إصبعيهِ، لكنهم من النوافذِ تصايحوا، لمَّا فجأةً مرَّ يجري، يعضُّ خرقةً سوداء، ولعابُه يسيلُ عليهِ!

عندما صلصلتِ السيوفُ في الأزقةِ؛ وداستِ الخيلُ البطون؛ عندما تطايرت رُكَبٌ؛ وتدحرجتْ رؤوس؛ بات ليلََهُ في جحيم، وفي الصّبحٍ قام؛ يؤدي التحية حائرا لكبيرِ القبيلةِ الجديد!

 على غير عادتهما، انزويا الليلة في ركن معزول ببار غير المعتاد، وعلامات الحرص على التخفي عن الأنظار ساطعة منهما. شربا ب "عقلانية" هذه المرة ما داما لم يوقعا بضحية تدفع كعادتهما. اختزلا الجلسة في قنينة نبيذ من النوع العادي اشتركا في جمع ثمنها. تجرعا كؤوسا معدودة في جو جنا ئزي، وعند آخر كأس، علت وجهيهما تقاطيع حزن فظيع و كأنهما سيغادران الجنة. التصق أحدكما بالثاني و هو يهمس في أذنه كمن يحسم في صفقة مخدرات: " كتبت مقالا عن "روايتك" الجديدة سينشر غدا أو بعد غد على صفحات "جريدتنا". سوّقتك فيه فاتحا جديدا، أديبا و فيلسوفا و عالم نفس و عرّافا و...و... . ابتسم الثاني بثعلبيّة حقيرة و أجابه: "أما عن ديوانك الجديد ، فكلفت مغفلا يثق القراء فيه بتقديمه في "جريدتنا" الأخرى، و أوحيت له بمكامن وهميّة لنبوءاتك و إشراقاتك و استبصاراتك و إعجاز لغتك ...و تسكّعك...طبعا بالمعنى الشعري"  . و قهقها معا بشكل هستيري قبل أن يتسلّلا  غير ثملين على عكس عادتهما.

أعلم  جازما  أنك تمقت لعبة تبادل الأمكنة ، تصور يوما أنك تحرق المسافات راجلا، حيث الأجساد الصغيرة في انتظار الآتي ،المنهك ، المكسرة  أحلامه على صخرة الرتابة ،...وتصورني  أقبع في مكتبك بخدمه ،وحشمه ، أوامره ، نواهيه، وسلطة المنصب الكبير.
ضجر يزحف يتملكني يأخذني لدفء  الصدور الصغيرة ، لحنايا البدايات بعيدا بعيدا عن زيف الأمكنة .

تنادى أهل السفح ينعون جثة لفظها البحر قبيل المغرب، فدوى في الأفق نواح غطى على صدى أذان يسحبه الغروب،
من سيكون العائد هذه المرة، تساءلت الجدة المرتكنة زاوية في الخيمة تنتظر العزاء.

-1-
أحمد..فوق مرايا اعجابه المحنط، وعلى صحراء امله الدسم، رسم جسدها بصورة معقدة، ثم اخذ يضاجع رغبته المنحوتة في حقل أفكاره.
-2-
حمدي.. يحلق احلامه فوق سهام من نار، لتسكن حدائقها البلورية، يعد جيوشا من تلهفه نحوها، بينما هو يجاهد في الوصول لأسوارها، في لحظة غضب يلعن افكاره اتجاهها.

لم تكن بالقلب غير غيمة   شدت إليها الانتباه .
من بعيد ...حلقت الفراشات ،، لم تقو " رفيف"  على رفع  بصرها لتتملى  ببهاء  الألوان،  فقد كان للغيمة  سحر انصهار امتداد الطيف.