منذ مدة ليست بالقصيرة، أصبحت ترى أنه يترصدها.
يتجول في مسارات ذهابها وعودتها إلى منزلها.
وجدت أن الأمر يتكرر باستمرار.
لا يمكن أن يكون الأمر مجرد صدفة.
تحاول التظاهر بعدم الاهتمام بذلك الشخص الخمري اللون المرابط باستمرار في زوايا حيهم.
***

في زاوية تحجب عنه الرؤية،
يستلقي مستسلما لتعبه.
حفيف جلد الأفعى يأتيه من خلف أذنه،
يتجاهل حدسه، فتلذعه.
- لماذا لم يستمع إلى الطنين الذي ملأ رأسه؟

مقدمة تاريخية
الصالة التى كانت تزهو بالألوان صارت قاتمة، والساعة التى كانت تملأ البيت حركة وضوضاء ماتت ودفنت على الجدار.. كل شيء أصابته القتامة.. حتى هو الذى اعتاد أن يفتح شباكه كل صباح لتدخل إليه حرارة الشمس وأنغام الطيور ونسمات الهواء المغمسة بالندى.. انعكست فجأة صورته على مرآته، ثم على حائطه والأثاث شبحا لشيخ مهدم.. فصار غير قادر على الحركة وسط هذا الزحام الخانق من الصور والتزم الفراش.

أنجبني أبي بعد فترة من وفاته؛ لذا، لا يشعر بي الناس ولا يحسون بوجودي.
أمشي طلق المحيا، آكل وأشرب دون أن ينقص شيء، وأنام حيث أرتضي.

(قصة واقعية، مهداة إلى شهداء انتفاضة 20 يونيو 1981)
زيادات طفيفة في أسعار بعض المواد الاستهلاكية، احتجاجات عارمة ضد الرفع من ثمن الخبز.
ارتباك كبير وسط المدينة الكبيرة الغامضة، شباب يحاصرون الجوع، قوات تحاصر الجموع.

الميّــــت..
يتبع جنازة..
كان في مقدمة المشيعين، يردد معهم :
"لا إله إلا الله محمد رسول الله"
في المقبرة خلق آخر.. يلف المكانَ الهدوءُ، والسكـون..
الميْت مسجـى محمول على الأكتاف .. يستعد أهله لإلحاده ..

سوبرمان الرقية
جاءني المسيح يوما مهاجما إياي بصليبه المهترئ، ويحثني عن الانهزامية والشفقة، فقرأت عليه آيات نيتشوية مشهرا في وجهه إنجيل "نقيض المسيح الجديد". فصرع.

عودة

غفوة خفيفة تقتنصها جفونه، يحتاج حصة نوم كاملة كل يوم تقريبا بعد وجبة غذائه المتأخرة حتى يستعيد طاقته وشغفه بالعمل في الحقل من شروق الشمس إلى ما بعد الظهيرة.
حرب كلاب الدوار تحط رحاها فوق رأسه تحت ظل الشجرة.

رُفعت الستارة. صمْت. دخل الممثل. تصفيق. صمْت. صمَت الممثل طويلا... انتظر الجمهور... قد يكون مقطعا دالا على بقية المشهد. استمر الصمت... الممثل واجم كأنه فزاعة يبحلق أمامه. بدأت وشوشة تنمو بين الحاضرين، تصير ضجة... سرعان ما انطلق الصفير... تطور المشهد إلى رمي بالقناني، علب الأكلات السريعة، أعقاب السجائر المشتعلة... لم يخرج الممثل عن سكونه.

يستعد للخروج، يتردد قليلا، ذاكرته تخبره بشيء ما عليه فعله أو حمله معه عند المغادرة، جلس ينتعل حذاءه ويحاول التذكر.

يعدو طفل في عمر الورد، وفي لحظة يميل بجذعه إلى الخلف، كما يده اليمنى، وبكل قوة الكره يلقي بحجر...
في الضفة الأخرى، وخلف السياج بالضبط، ينهض برج مراقبة، ومنه يصوب قناص بندقيته إلى الهدف بدقة، ثم يضغط على الزناد..
يسقط الطفل على الأرض ثم ينهض..

- سأل أحدهما الثاني:
لمَ تغيرت أحوالنا هكذا؟ وأصبحت للغريب الرهيب مكانة بيننا؟ وأمسى الآمر الناهي في كلّ صغيرة وكبيرة؟ لِمَ كلّ هذا يحدث مع خير...؟
- أجاب الآخر الأوّل:

حملْنا السيارة الجديدة بالأمتعة، قفز كلبُ العائلة الصغير من النافذة المفتوحة، لحقتُ به، نادتني أمي:
-عدْ، تأخرنا، اتركه عند الجيران.
شغلتُ مكانا صغيرا في المقعد الخلفي وراء أبي، حلمتُ بالبحر الأزرق، والرمل الأصفر، داهمتني نسمة صيف منعشة.
أمضينا أسبوعين رائعين على الشاطئ.

تدخل حسناء فارعة الطول من جهة اليمين، تمشي بخيلاء كعارضة أزياء، تمشي على أنغام الروح إلى السرير، تضطجع عليه كأميرة متوجة، عارية تماما، إلا من سطوة فتنتها وجبروت جمالها، وسحرها الطاغي..
من الجهة نفسها يدخل رجل ككلب صيد لاهث، ضامر الجسد، يرهقه الظمأ، يتشمم عطرها، يحيطها من كل الجهات، يلعقها من الغرة إلى الأخمص، ثم يقعي على حجرها، ويرتشف من واحة صدرها رحيق الحياة..

غادر قريته البسيطة منذ صباه، إلى قرية بعيدة عن قارته، اندهش لما رآه، الابتسامة الدائمة في وجوه لا يعرفها، والبساطة التي عايشها هناك،وجدها هنا، لكن بعد عقدين، حنّ إلى مسقط رأسه، عاد أخيرًا، وفي قرارة نفسه، يردّد" ليتني لم أعد !"، لأنّه فوجئ بقرية كل ما فيها يمشي القهقرى !!!

عرض عليه بائع العصافير عصفورا صغيرا، كان يردد – بشكل دائم- أغنية وحيدة مليئة بالنشاز، تتحدث عن طائر غادر عشه ذات صباح على أن يعود لعشه - كما هى عادته - فى نهاية اليوم.. لكنه لم يعد.. انتظره فى العش – أياما كثيرة- عصفور صغير كان مايزال بيضة حين فارقه ولم يعد.. لذلك خرج من البيضة ولم يجد من يردد على مسامعه أغانى العصافير الصغيرة، ليحفظها بدوره ويرددها ككل عصافير الغابة..

واثقا من نفسه،وضع الورقات في جيب قميصه وشبكها بقلمه الفضي ...في ساحة المدينة كانت حواسه يقظة ومشاعره متحفزة: - سيكون الصيد وافرا...

ارتفع الصبي بالأرجوحة عاليا ، يضحك لمِا صارت عليه أخته من ضآلة في الأسفل، وفوق المبنى المطل على الحديقة، كان الرجل ينظر إلى الأرجوحة، فيراها كحشرة ضئيلة تتخبط في الفضاء تحته،