مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي - إبراهيم أزروال

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

هل يمكن رسم السياسات التربوية والتعليمية الناجعة في عالم تقني متحول على الدوام؟ كيف يمكن للسياسات التربوية والتعليمية مواجهة التقلبات الناتجة عن التحولات التقنية والرقمية المتلاحقة؟ كيف يمكن للمنظومات التعليمية التعامل الإيجابي مع الذكاء الاصطناعي؟ هل يمكن رسم سياسات تعليمية قوية في وقت تقلصت فيه القدرة على الاستشراف والتوقع، بعد توالي التحولات التقنية والرقمية؟ كيف يمكن تحقيق التناغم بين عالم الشغل وعالم التعليم والتكوين، إذا كانت التحولات التقنية قوية، وتهدد المواضعات المهنية المستقرة ظرفيا؟ هل سيساعد الذكاء الاصطناعي على تقوية القدرات والكفاءات، أم سيكرس فقدان المهارات، نتيجة التعويل الزائد على الأدوات والآليات الرقمية في الإعداد والتشخيص والإنجاز والإنتاج؟ ما الكفاءات المطلوبة غدا، علما أن إيقاع تطور الذكاء الاصطناعي سيتسارع، وأن الانتقال من الذكاء الاصطناعي المحدود الحالي إلى الذكاء الاصطناعي العام المتوقع شبه حتمي؟
إن الذكاء الاصطناعي من التحديات الحضارية الجوهرية، حسب لوك فيري. فقد طرح هذا المفكر الفرنسي، في كتابه: «الذكاء الاصطناعي: الاستبدال الكبير أم التكاملية؟»، أسئلة جوهرية عن مستقبل الحضارة الإنسانية، في ضوء التوسع في استعمال التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي.
هل يمكن المراهنة على التكاملية بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني، في زمان تراهن فيه الشركات الكبرى على ترسيخ سلطة الذكاء الاصطناعي، وتكريس محدودية الذكاء الإنساني وقدراته، من خلال تزايد تقلص المهارات والتعويل على الروبوتات، ولا سيما الروبوتات الشبيهة بالبشر (Les robots humanoïdes)؟ وهل يمكن، في ظل التحولات الرقمية وتطورات الذكاء الاصطناعي الآنية، تخصيص الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام التكرارية، وتخصيص الذكاء الإنساني لأداء المهام ذات القيمة المضافة العالية؟
لا مراء في أن الذكاء الاصطناعي يؤثر بعمق في السياسات التربوية والتعليمية؛ مما يفرض إجراءات وإصلاحات جوهرية، ومراجعة معمقة لكثير من الإبدالات البيداغوجية المكرسة.
صار من الضروري الآن التحكم والتمرس بالذكاء الاصطناعي، من أجل تطوير الثقافة الرقمية وامتلاك الفكر النقدي الملائم للاستعمالات الراهنة للرقمي وتطويره.
مما لا شك فيه أن للتعويل على الذكاء الاصطناعي مفاعيل على علائق التلاميذ بالمعرفة والعلوم والعالم، استتباعا.
وتراهن الحكومات في الغرب والجنوب، مبدئيا، على توظيف الآليات الرقمية والذكاء الاصطناعي، من أجل مسايرة التحولات الجوهرية، من خلال تكوين المكونين، وإدماج الآليات الرقمية في النظم التعليمية، والتجديد البيداغوجي.

تمكن السياسات القائمة على الإدماج المنظم للذكاء الاصطناعي (الذكاء الاصطناعي التوليدي intelligence artificielle générative، والمنصات التكيفية les plateformes adaptatives) من إنشاء المحتويات الأكاديمية المتجددة، والانكباب على المهارات العليا، وإعادة تشكيل المنظومات التعليمية، وتوليد أنشطة تعليمية مبتكرة، وتجديد آليات ومقاييس التقييم والاختبار.
وأيا كانت التدابير المتخذة، والإجراءات المتبعة، قصد تطوير السياسات التربوية والتعليمية، فإن استمرار الفجوة بين الذكاء الاصطناعي والرقمي، وبين الحمولة التعليمية والمحتويات البيداغوجية وأنظمة التعليم، قائم ومهيمن.

1- التحديات وتراجع الإنساني:
من المحقق أن التحول الرقمي للمنظومات التعليمية من الأولويات الاستراتيجية للدول، راهنا ومستقبلا. من الصعب، في ظل التحولات والتقلبات التقنية الراهنة، بلورة سياسات تعليمية مطابقة. فالواقع أن الشركات الكبرى تراهن على الذكاء الاصطناعي، وعلى الروبوتات الشبيهة بالبشر (les robots humanoïdes)، في تحويل سوق الشغل. ومن المحقق أن كثيرا من المهن ستختفي، ولن تُعوَّض بأخرى، مما سيفضي إلى مشكلات وتحولات اجتماعية غير مسبوقة. ومن المرجح أن تتزايد أتمتة عالم الشغل، وأن يتقلص الإنساني، الحائل دون تحقيق مردودية ونجاعة كبيرتين، حسب كثير من أرباب الصناعة الرأسماليين.
2- الذكاء الاصطناعي والتربية:
يجد الذكاء البيولوجي أو الإنساني صعوبات كبرى في التكيف، في ظل الوضع التربوي والتعليمي الراهن، مع تحديات الذكاء الاصطناعي.
يصر الخبراء على الفجوة القائمة بين الأنظمة والبرامج التعليمية وبين الذكاء الاصطناعي. وبدلا من تطوير هذه الأنظمة والبرامج، وإصلاح التعليم إصلاحا جذريا، وتطوير سلط مضادة لسلطة الشركات المشاركة في إذكاء التحول الرقمي، فإن المؤسسات التعليمية التقليدية لا تستجيب للتحدي الرقمي الراهن.
إن للتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي تأثيرا كبيرا في التربية والتعليم، مما يفرض تحديات كبرى على المسؤولين عن صياغة السياسات التربوية والتعليمية. وتمس هذه التحديات ثلاثة مستويات، بالدرجة الأولى، وهي: العدالة (تكافؤ الفرص التعليمية)، والتجديد (مواكبة الابتكار التكنولوجي)، والاستدامة (التعليم من أجل المستقبل).
وحتى تكون الأنظمة التربوية عادلة وفعالة، يتوجب ألا ينحصر دور التحول الرقمي في توفير الأدوات والمعدات والتجهيزات والآليات، بل لا بد أن يتوجه كذلك إلى وضع استراتيجيات فعالة على مستوى الحكامة، وتكوين الأساتذة والمكونين.
تطرح دمقرطة التربية والتعليم إشكاليات كبرى، لا سيما وأن إمكانية الاستفادة من إمكانيات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، في التعلم والتفاعل مع التحولات المرتقبة في سوق الشغل، متاحة للفئات والطبقات العليا، أكثر مما هي متاحة للطبقات الوسطى والشعبية الفقيرة.
لا مراء في أن الذكاء الاصطناعي يمكن من التغلب على كثير من التحديات الحافة بالتربية والتعليم، وتجديد الطرق البيداغوجية والممارسات التعليمية، إلا أن تسارع إيقاع التكنولوجيات يتجاوز إيقاع الحوارات والمناظرات والمداولات والاستشرافات السياسية والتعليمية والثقافية.
لا يمكن رسم سياسات تعليمية ناجعة اعتمادا على فرضيات وتقديرات قابلة للتجاوز سريعا، بفعل التحولات السريعة في سوق الشغل والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا يمكن، من هذا المنظور، الاعتماد على برامج التكوين المعتادة في الطب، مثلا، بعد أن قدم الذكاء الاصطناعي إضافات نوعية في المجال الطبي، مما يفرض تعديل برامج التكوين، حتى يتحقق التكامل الفعال والناجع بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني في هذا القطاع الهام.
ما الإجابات الممكنة والفعالة لتحديات الذكاء الاصطناعي؟ وما البدائل المقترحة من أجل إعداد الشبان لمواجهة تقلبات الحياة الاقتصادية ومستجدات السيرورة الرقمية؟ وهل يجب التركيز على الكفاءات والقدرات المعرفية والتقنية، أم لا مناص من التأكيد على الخبرات والكفاءات التكيفية والتفاعلية والإبداعية؟ وكيف ستواجه المدارس والجامعات اللايقين العلمي والتحير المعرفي، الملازمين للتحول والثورة الرقميين؟ وهل ستعتني بتكريس يقين بيداغوجي وهمي، أم ببناء حقائق وظيفية متطورة، تبعا لتطور معارف القرن الحادي والعشرين؟
وبما أن المعارف والمعلومات قابلة للتحسين على الدوام، تبعا لتطور المعارف والعلوم وتوالي الاكتشافات والاختراعات، فمن اللازم التعويل على الكفاءات التكيفية والتفاعلية والإبداعية. إن الكفاءات الأخيرة مطلوبة للتفاعل والتجاوب مع التحولات والتغيرات والمستجدات المتوقعة، على المدى المتوسط وعلى المدى البعيد.
من الصعب الاعتماد على المعارف الراهنة، والمهارات المحصلة، في ظل التحولات المتحققة على الصعيد التقني والاقتصادي. فكما سيتحكم التوظيف المكثف للذكاء الاصطناعي في سوق الشغل، وقد يولد عطالة معممة، حسب بعض الأخصائيين، في ظل صعوبة إيجاد مناصب شغل مواتية وملائمة للمطلوب، فإنه سيؤثر بعمق في رسم السياسات التعليمية، وفي صياغة السياسات التربوية والتعليمية، واختيار البرامج والمضامين والكفاءات.
(... السؤال الذي لم يجد له حلا مقنعا حول هذا الموضوع هو: التأهيل لأي شيء بالضبط؟ فأوضاع المستقبل لم تتضح بعد بما فيه الكفاية، وهناك احتمالات قوية بظهور مفاجآت جديدة غير متوقعة في مجال البحث العلمي والاكتشافات والاختراعات التكنولوجية، بل أيضا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يضع قيودا شديدة على سياسات وخطط التدريب والتأهيل على المدى البعيد.) -1-
3- اليونسكو والمقاربة الإنسانية للذكاء الاصطناعي:
دعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى تفعيل مقاربة إنسانية للذكاء الاصطناعي؛ وستساعد هذه المقاربة على معالجة مظاهر اللامساواة الراهنة، ولا سيما في الولوج إلى المعارف والبحث العلمي، وتعددية التعبيرات الثقافية، واتساع الفجوات التكنولوجية والرقمية داخل البلدان. ويستهدف الوعد القاضي بتوفير الذكاء الاصطناعي للجميع تمكين الجميع من الاستفادة من ثمرات الثورة التكنولوجية والرقمية، وامتلاك الكفاءات المعرفية الضرورية للتفاعل مع عالم سيعرف، قطعا، تحولات تقنية وثقافية-حضارية جوهرية.
وقد أصدرت اليونسكو، في سبتمبر 2023، أولى إرشادات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، كما أصدرت إطارَي عمل لكفاءة الذكاء الاصطناعي للطلاب والمعلمين.
هل يكفي الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للذكاء الاصطناعي في سياقات تعرف تضخما في المعلومات، وتقلصا في الكفاءات العملية، أو انخفاضا في المهارات (deskilling)، نتيجة التعويل المتزايد على التكنولوجيا في الإنجاز والتنفيذ، وتقلصا في فرص الشغل، بعد تزايد التعويل على الروبوتات والذكاء الاصطناعي والأتمتة، أم لا بد من تقديم بدائل سياسية-تاريخية تراعي التوازنات الثقافية-الاجتماعية والثقافية-الحضارية؟ وهل يمكن تخليق استعمالات الذكاء الاصطناعي دون تخليق الرأسمالية-العولمية؟
4- الرقمنة والأتمتة وأزمة العمل:
وتؤثر التكنولوجيا والرقمنة، عمقيا، في سوق الشغل؛ فثمة وظائف تعرف تراجعا متواصلا، مثل: الأعمال الكتابية، والسكرتارية، والخدمات البريدية، والأعمال الإدارية، وخدمات الاتصال.
إن الاستقلال الوظيفي والقدرة التنافسية مرتبطان بالتعلم مدى الحياة، ولا سيما أن المهارات والكفاءات والخبرات المهنية والعملية أهم من تحصيل الشهادات والديبلومات، حسب بعض الخبراء.
إن التدريب على المهارات ضروري، ولا سيما أن تطورات الذكاء الاصطناعي تهدد وظائف الفئات ذات المهارات المتوسطة أو المحدودة.
مما لا شك فيه أن للذكاء الاصطناعي أهمية كبرى، تتمثل في قدرته على تيسير وتطوير وتجويد العملية التعليمية-التعلمية.
من المحقق أن ثمة وظائف كثيرة قابلة للأتمتة ويسيرة الأتمتة (automatisable)؛ وهي الوظائف التكرارية والروتينية والنمطية، مثل المهام اليدوية البسيطة، والمحاسبة، وإدخال البيانات. أما المهن المحتاجة إلى بذل الجهد العاطفي والذهني، واللمسات الإنسانية، مثل التعليم، والرعاية الصحية، والتواصل، فإنها قابلة للصمود ومقاومة الأتمتة (l’automatisation).
ثمة من ينتصر لفكرة «نهاية العمل»، أو «موت العمل»، وضرورة التفكير في البدائل القادرة على تدبير الحيوات والعلائق والروابط البشرية في مجتمعات متحولة جذريا (إمكان تعميم الدخل الأساسي الشامل لمواجهة البطالة المعممة). وثمة من يراهن على إمكان ظهور مهن ووظائف جديدة في المستقبل، مثل لوران ألكسندر.
سيولد الذكاء الاصطناعي تفاوتات جديدة، ناتجة عن اتساع الفجوة بين من يتوافرون على التأهيل والتكوين الكافيين لمواجهة عالم الذكاء الاصطناعي، وبين من يفتقرون إلى المهارات والقدرات والكفاءات المعرفية، والتأهيل والتدريب اللازمين لمسايرة التسونامي التكنولوجي والرقمي الراهن والقادم.
من المتوقع أن تعاني الياقات الزرقاء من منافسة الروبوتات الشبيهة بالبشر (robots humanoïdes)، ومن تحولات سوق الشغل، أكثر من الياقات البيضاء.
إن المهام البسيطة والتكرارية والدورية قابلة للأتمتة. وتقتضي أتمتة المهام الاستعانة بالتكنولوجيا لأداء المهمة بكفاءة عالية وبجودة مرتفعة، كما ستمكن من تسيير الإجراءات، وتفادي المهام الروتينية، والانصراف إلى المهام ذات القيمة المضافة العالية. إلا أنها ستطرح إشكاليات جوهرية، لا تفكر الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي وما بعد الإنسانية في تبعاتها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ويتجاهل الفكر المضاد للرأسمالية والعولمة التفكير فيها، لارتهانه بإبدالات ومفاهيم وآليات متقادمة، وافتقاره إلى معرفة دقيقة بالعالم الذهني والرهانات الكبرى لكوننة الرقمي وعولمة الذكاء الاصطناعي.
5- البدائل المقترحة:
ما أولويات التربية والتعليم في عالم يعرف تحولات رقمية مذهلة؟ أية إضافة يمكن للذكاء البشري تقديمها، حتى يحتفظ الإنسان بقدرته على الإنتاج والإنجاز والأداء والإضافة الوازنة؟
للتكيف مع التحول الرقمي، وتقلبات سوق الشغل، لا مناص من تطوير المهارات (upskilling)، وصقل الكفاءات، أو إعادة تشكيل المهارات (reskilling)، أي تحصيل قدرات ومهارات جديدة للانتقال إلى قطاع مهني مختلف.
كما يتم التركيز على التفكير التحليلي والإبداعي، والقدرة الكبرى على التكيف والتأثير والاستكشاف.
ومن الجلي أن تطوير القدرات وإعادة تشكيل المهارات ضروريان، من أجل التفاعل الإيجابي مع التحولات الاقتصادية، وتعزيز قابلية الأجراء للتوظيف (employabilité)، وتحسين تدبير الموارد البشرية.
تتمثل الحلول المقترحة، من قبل المفكرين أو الباحثين الفاحصين لمشكلات توظيف الذكاء الاصطناعي المتزايد في الحياة الاقتصادية، فيما يلي:
أ - التكاملية:
من الضروري، حسب لوران ألكسندر، دعم التكامل بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، وتفادي المنافسات المباشرة بينهما. وهذا يفرض إحداث ثورة كبرى في مجالات التربية، وتغيير المنظورات والسياسات التعليمية. فليس التعليم، راهنا، مؤهلا، للتفاعل الإيجابي، في منظور لوران ألكسندر، مع تحديات ومتطلبات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. فهو يكتفي بتقديم قدرات غير متجاوبة مع متطلبات عالم يعرف تسوناميا معرفيا، وتغيرات نوعية في مجالات الشغل والتدبير والتخطيط.
لا معنى لمراكمة المعارف الموسوعية في زمان الذكاء الاصطناعي، حسب لوك فيري؛ وهذا ما يفرض، في نظره، التركيز على العقل النقدي، والإبداعية، والقدرة على الاجتراح والابتكار. ويتوجب على التلاميذ والطلبة، في نظره، امتلاك ثقافة عامة قوية، وصلبة، ونسقية، من أجل توجيه الآلة، أو تحديد التحيزات الخوارزمية (les biais algorithmiques). ومن الضروري بناء علائق تكاملية بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري؛ وبدل الاعتماد السلبي والمتخاذل على الذكاء الاصطناعي، فإنه يطالب بالتركيز على الإنسانيات، والاستفادة الحصيفة من الذكاء الاصطناعي، وتحرير التلاميذ والطلبة من المهام التكرارية.
وأيا كانت كفاءة الذكاء الاصطناعي، فإنه لا يستطيع، في منظور لوك فيري، التفكير بدلا من البشر. ومن المحقق أن للفلسفة وللوعي الإنساني دورا محوريا في تعليم الغد.
ب - تحديث البرامج التعليمية:
إن البرامج التعليمية المعتمدة متقادمة، في نظر كثير من الخبراء والأخصائيين، بالنظر إلى تسارع التحول الرقمي، وتحولات سوق الشغل. فلا يمكن تمكين الشباب من تكوين وظيفي، بدون برامج تعليمية نوعية، تراعي تحولات العصر، تقنيا ورقميا واقتصاديا وتدبيريا.
لقد حقق الذكاء الاصطناعي تطورات مذهلة، وبإيقاعات متسارعة، وأبان عن تفوقه على الذكاء البشري في قطاعات كثيرة (التشخيص والطب، مثلا). وهذا ما يفرض تعليم الناس آلية التعاون مع «العقول الاصطناعية»، تطويرا للإنجازات والمبادرات والتفاعلات. وفي هذا السياق، يطالب لوران ألكسندر بالجمع بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، وإدماج هذا الترابط في البرامج والمناهج التعليمية، تلافيا «لحرب الذكاءات».
تستدعي التحولات الرقمية الحالية إعادة النظر في التخصصات العلمية الكلاسيكية، وفي جدوى التعليم العالي، في نظره، وإيجاد بدائل تعليمية قادرة على مسايرة التغيرات والتقلبات الجذرية السارية الآن، في اعتباره. ولا معنى، من هذا المنظور، لدراسة مقررات وبرامج علمية ستصبح متجاوزة ومتقادمة، بفعل تطورات الذكاء الاصطناعي.
ج - التعويل على الكفاءات العارفة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي:
التعويل على الكفاءات العارفة بالذكاء الاصطناعي، وجديده، وإمكانيات تطويره وتثويره، على المدى المتوسط والمدى البعيد، ضروري لتجاوز محدودية السياسات التعليمية والسياسات العمومية إجمالا، حسب كثير من الخبراء. فكما تستثمر الشركات الكبرى في الذكاء الاصطناعي، فمن المطلوب أن تسهم الجامعات والمؤسسات التعليمية في تطوير برامجها، وطرائقها، وشعبها التعليمية، ولا سيما في بلدان الجنوب.
د - إصلاح المنظومات التعليمية:
إصلاح المنظومات التعليمية إصلاحا حقيقيا، يُمكِّن المدارس والجامعات من توفير كفاءات قادرة على التكيف مع مستجدات عالم الشغل، على المدى المتوسط والمدى البعيد، والتجاوب مع التحديات الناتجة عن التعويل المتزايد على الروبوتات، وعلى إمكان تطوير الذكاء الاصطناعي العام (IAG).
ومن المعلوم أن الذكاء الاصطناعي العام ذكاء اصطناعي متوقع الحدوث مستقبلا، يتجاوز الذكاء الاصطناعي المحدود الحالي. وبينما ينحصر الذكاء الاصطناعي الحالي في ميدان محدد، فإن الذكاء الاصطناعي العام قادر على مضاهاة، أو تجاوز، القدرات المعرفية الإنسانية، وإنجاز مهام مختلفة ومتنوعة بكفاءة كبرى.
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي كثيرًا من التصورات والتمثلات المتعلقة بالتعليم. فقد انتقل التركيز من الحفظ والاستظهار إلى تنمية القدرات الذهنية العليا، مثل التحليل، والنقد، والإبداع، وحل المشكلات، واتخاذ القرار. ولم تعد قيمة المتعلم تقاس بما يختزنه من معلومات، بقدر ما أصبحت تقاس بقدرته على توظيف المعرفة، وتحليلها، وربطها بسياقات جديدة، والاستفادة منها في إنتاج حلول مبتكرة.
وتفرض هذه التحولات إعادة النظر في أهداف التربية والتعليم، وفي طبيعة المضامين الدراسية، وطرائق التدريس، وأساليب التقويم، حتى تصبح المنظومات التعليمية قادرة على إعداد متعلمين يمتلكون المرونة الفكرية، والقدرة على التكيف مع التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم الرقمي.
إن الاقتصار على تلقين المعارف، أو التركيز على تنمية المهارات التقنية وحدها، لم يعد كافيًا لمواجهة التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، بل أصبح من الضروري الاهتمام بتنمية الكفاءات المركبة، التي تجمع بين المعرفة العلمية، والتفكير النقدي، والقدرة على التواصل، والعمل الجماعي، والإبداع، والتعلم الذاتي، والوعي الأخلاقي.
ويقتضي ذلك أن تتحول المدرسة والجامعة إلى فضاءين لإنتاج المعرفة، وليس مجرد مؤسستين لنقلها، وأن يصبح التعلم عملية مستمرة مدى الحياة، تتجاوز حدود المؤسسة التعليمية، وتستفيد من الإمكانات التي تتيحها البيئة الرقمية، ومن أدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة.
ومن ثم، فإن الاستثمار في الرأسمال البشري، وتطوير قدراته على الابتكار والإبداع، يظلان الضمانة الأساسية لمواجهة التحولات المستقبلية، لأن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، سيظل أداة في خدمة الإنسان، لا بديلاً عنه، متى أُحسن توظيفه في إطار رؤية تربوية متوازنة.


المراجع
1. Laurent Alexandre, La guerre des intelligences à l'heure de ChatGPT, Paris, JC Lattès, 2023.
2. Luc Ferry, IA : Grand remplacement ou complémentarité ?, Paris, Éditions de l'Observatoire, 2024.
3. UNESCO, Guidance for Generative AI in Education and Research, Paris, UNESCO, 2023.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟