المغرب بين قوسين (الحلقة 1): اقتصاد ينمو ومواطن يتعب - عبد الغفور مغوار

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

مقدمة
حين تقرأ بيانات البنك الدولي عن المغرب، تظن للوهلة الأولى أنك أمام نموذج ناجح: نمو اقتصادي بلغ 3.8% سنة 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 4.7% في 2025، ميناء طنجة المتوسط الأكبر على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، صناعات سيارات وطائرات تستقطب عواصم الاستثمار الأجنبي، وطاقة متجددة تتصدر المشهد العالمي. ثم تغلق التقرير وتخرج إلى الشارع.
تخرج إلى شارع حيث شاب جامعي يبيع الخضر بجانب أبيه على الرصيف أو عند باب جامع في حي شعبي، وامرأة في الخمسين لم تدخل سوق الشغل قط، وخريج هندسة ينتظر منذ ثلاث سنوات وظيفة لا تأتي، والرقم الرسمي للبطالة الذي تُعلنه الحكومة - 13% - لا يعكس ما تراه عيناك في مقاهي الدار البيضاء وفاس ومراكش. ثمة شيء ما لا تقوله الأرقام. أو بالأحرى: ثمة شيء تقوله الأرقام بشرط أن تحسن قراءتها.
I- أرقام تغش بعضها
لنبدأ من أكثر ما يُستشهد به: معدل النمو الاقتصادي. يُعلن المسؤولون بفخر عن نسب نمو الناتج المحلي الإجمالي، كأنها الدليل القاطع على أن المغرب يسير في الاتجاه الصحيح. غير أن معدل النمو - في حد ذاته حسبما يعكسه الشارع- لا يخبرك بشيء دون أن تسأل: نمو لمن؟ ونمو أين؟
حين تقرأ أن معدل الفقر انخفض إلى 3.9% سنة 2022 وفق البنك الدولي، يبدو الرقم مبشرا. لكن وراء هذا الرقم حقيقة صارخة:
- معامل "جيني" للاختلال في توزيع الثروة في المغرب يبلغ نحو 40.5 وفق البنك الدولي، وهو مؤشر يكشف أن التفاوت بين الأثرياء والفقراء ظل مرتفعا وثابتا حتى في سنوات النمو.
- نصيب الفرد من الناتج المحلي لم يتجاوز 3,672 دولار سنة 2023، مما يبقي المغرب عالقا في "فخ الدخل المتوسط" الذي حذرت منه دراسات مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
- ثلاثة أرباع السكان النشيطين يتمركزون في خمس جهات فقط، مما يعني أن النمو نفسه يتمركز جغرافيا بدل أن يتوزع.
إن النمو الاقتصادي في المغرب يشبه إلى حد ما "تلك الكعكة التي يتوسع حجمها دون أن تتسع شرائحها". عبارة لا تتبناها منظمة دولية فحسب، إذ هي خلاصة ما رصده تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) في مسحه الاقتصادي للمغرب سنة 2024، حين لاحظ أن الاستثمار الأجنبي المباشر كان قويا، لكن الاستثمار المحلي الخاص ظل هشا، وأن الشركات المغربية تواجه عقبات هيكلية تحول دون مشاركتها الفاعلة في منظومة النمو، وأبعد من ذلك فكم من مقاولة صغرى أعلنت إفلاسها، بحيث تفيد المعطيات والتقارير الصادرة عن الهيئات المهنية ومكاتب الدراسات المالية في المغرب بأن قطاع الأعمال شهد موجة إفلاس قياسي طال النسيج المقاولاتي، نتيجة تضافر عدة عوامل اقتصادية ضاغطة، أبرزها مستويات التضخم المرتفعة، وغلاء المواد الأولية، وشح التمويل.

وقد بلغت حدة هذه الأزمة ذروتها خلال عام 2025، حيث قارب عدد حالات الإفلاس 52,000 مقاولة وفقا للتقرير السنوي الصادر عن الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في يناير 2026. وتستحوذ المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة على حصة الأسد من هذه الانهيارات بنسبة تناهز 99%. وتُعزى الأسباب المباشرة لهذا التراجع الحاد إلى الارتفاع المستمر لكلفة الإنتاج، وتراجع التمويلات البنكية بعد توقف برامج الدعم الحيوية (مثل برامج "انطلاقة" و"فرصة")، إضافة إلى المعضلة المزمنة المتعلقة بتأخر آجال الأداء، حيث تنتظر المقاولات مستحقاتها لدى الشركاء الكبار والقطاع العام لفترات طويلة.
أما على مستوى المساطر القضائية الصارمة، فقد كشفت البيانات الصادرة عن مكتب "أنفوريسك" (Inforisk) المتخصص في التحليل المالي للشركات، أن المحاكم التجارية سجلت خلال عام 2024 تصفية وإفلاسا قانونيا لحوالي 14,245 شركة، مثلت المقاولات الصغيرة جدا منها نسبة 98.7%. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الرقم يرصد فقط الشركات التي سلكت المسار القضائي، دون احتساب آلاف المقاولات الأخرى التي فضلت إنهاء نشاطها والدخول في حالة جمود تام بعيدا عن أروقة المحاكم.
ويرى الخبراء الاقتصاديون أن هذه الأرقام المقلقة تعكس عمق أزمة السيولة الخانقة التي تواجهها المقاولات الناشئة والصغرى في المغرب، بحيث باتت كلفة التضخم مقرونة بتجاوز آجال الأداء لعتبة 200 يوم في كثير من الأحيان، مما يجرد هذه الكيانات الهشة من قدرتها على الصمود الاقتصادي والتسيير اليومي لالتزاماتها.
والأخطر من ذلك ما كشفته دراسة صادرة عن Centre de politique pour le Nouveau Sud (مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد) حين نبهت إلى أن عوائد النمو لا تصل إلى الطبقات الدنيا بالنسبة ذاتها التي تصل بها إلى الطبقات الوسطى والعليا. بمعنى آخر: المغرب ينمو، لكنه ينمو بشكل يعمق الهوة ولا يضيقها.
II- فضيحة البطالة : حين تكذّب الأرقام بعضها
ثمة واقعة رقمية لافتة تستحق التوقف عندها. في الأيام الأولى من ديسمبر 2024، كشف المندوب السامي للتخطيط شكيب بنموسى عن نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى، ليعلن أن معدل البطالة بلغ 21.3%على الصعيد الوطني. الرقم المدوي جاء ليفاجئ الجميع- بما فيهم المندوبية ذاتها- التي كانت قبل أسابيع قليلة تتحدث عن معدل 13.6% استنادا إلى منهجية البحث الفصلي عن العمل.
ما حدث ليس مجرد تناقض تقني بين منهجيتين إحصائيتين. ما حدث هو أن الأرقام الرسمية التي كانت تُقرأ على أنها "مؤشر حكومي"، جاء الإحصاء الشامل -الذي يلمس الواقع بيته بيتا- ليقول إنها لا تعكس الحجم الحقيقي للأزمة. وقد نبه موقع هيسبريس إلى أن هذا "الارتفاع الكبير في النسبة يثير العديد من الأسئلة حول سوق العمل في المغرب".
لكن الأشد إيلاما هي البطالة عند الشباب. فوفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2024:
- معدل البطالة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة في المدن: 48.4%، أي ما يقارب نصف شباب المدن عاطل عن العمل.
- معدل البطالة بين حاملي الشهادات العليا: 19.6%، أي أن السوق لا يمتص حتى الطاقة المتعلمة.
- 4.3 مليون مغربي لا يمارسون عملا ولا يتابعون تكوينا ولا يدرسون، وفق تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
- معدل البطالة لدى النساء: 25.9%، مع مشاركة أنثوية في سوق الشغل لا تتجاوز 19. %
أمام هذه الأرقام، يصبح التساؤل مشروعا: ماذا يعني "نمو اقتصادي 4.7%" لشاب في الخامسة والعشرين من عمره يحمل شهادة الإجازة ويبحث عن وظيفة منذ ثلاث سنوات في فاس أو مكناس؟
III- الازدواجية الاقتصادية : مغربان في بلد واحد
ما يجري في المغرب يمكن توصيفه بمفهوم نظري وظفه اقتصاديون من أمثال وليام آرثر لويس: "الاقتصاد ذو القطاعين"، أو ما بات يعرف بـ "الازدواجية الاقتصادية". ثمة مغرب حديث: مناطق صناعية متطورة في طنجة والدار البيضاء، منظومة فوسفاطية تهيمن على الأسواق العالمية، بنية رقمية تتطور، قطاع سياحي ينتعش. وثمة مغرب آخر: اقتصاد غير رسمي يمتص ضربات السوق، قرى تفتقر إلى خدمات أساسية، بطالة مقنعة في القطاع الفلاحي، وهشاشة تتحكم في كل ما هو بعيد عن المدن الكبرى.
لقد رصدت دراسة مركز كارنيغي (2024) هذه الثنائية بوضوح حين أشارت إلى أن التركيز على الاستثمارات الأجنبية المباشرة "أدى إلى بروز ازدواجية اقتصادية حادة، إذ تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم الموجَهة نحو الأسواق المحلية صعوبات في الانخراط ضمن المنظومة الصناعية الخاضعة لهيمنة الشركات الأجنبية". ويضاف إلى ذلك أن القطاع غير الرسمي- رغم أنه يُسهم بنحو 10.9% من الإنتاج الوطني خارج الفلاحة والإدارة- يوظف ثلث اليد العاملة غير الزراعية (33.1% سنة 2023)، وهو توظيف هش بلا ضمانات اجتماعية ولا حماية قانونية.
إن هذه الازدواجية تعني بلغة أبسط: مغرب يقام فيه أكبر مؤتمرات المناخ ومعارض الصناعة، بينما يرتفع فيه معدل الشغل الناقص - الذي يقيس من يعمل دون أن يعمل بما يكفي- إلى 22.5% وفق أحدث بيانات مندوبية التخطيط لسنة 2026. بمعنى أن حوالي ربع القوى العاملة إما عاطلة أو تعمل في وضعية إشكالية.
هذا ويواجه المغرب الآن فخ الدخل المتوسط، بحيث يتعين على نموذج النمو القائم على التصدير التصدي للمنافسة من بلدان منخفضة الدخل في الصناعات كثيفة العمالة، وأيضا من اقتصادات مرتفعة الدخل في القطاعات التكنولوجية.
( عن مركز كارنيغي للسلام الدولي، أكتوبر 2024)
إن فخ الدخل المتوسط كمصطلح أكاديمي لهو الوصف الدقيق لبلد يشيد المطارات ويعجز عن توظيف كل مهندسيه.
IV- الجغرافيا تعمق الجرح
من الإشكاليات التي كثيرا ما تغفلها الأرقام الإجمالية، التفاوت الجهوي الحاد. فحين نقول إن معدل البطالة 13.6%، نخفي وراء هذا الرقم تباينا صارخا:
- جهة العيون-الساقية الحمراء: 20.3% بطالة.
- جهة الشرق: 14.9%.
- جهة الجنوب تسجل أعلى المعدلات التاريخية وفق الإحصاء العام.
- 78.1% من العاطلين يتمركزون في ست جهات، وتتصدرها الدار البيضاء-سطات بـ 24.9%، تليها فاس-مكناس بـ 13.3. %
وتكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي يتفاوت بين الجهات تفاوتا يصل إلى ثلاثة أضعاف، بين جهات المحاور الكبرى وجهات الهامش الجغرافي. وقد لفتت دراسة مركز السياسات الجديد للجنوب إلى أن ما فحواه أن التفاوتات الجهوية في المغرب واضحة، إذ تهيمن ثلاث جهات على المشهد الاقتصادي: الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة.
هذا التمركز الجغرافي للثروة وفرص العمل يغذي ظواهر اجتماعية متشعبة: الهجرة الداخلية المتسارعة نحو المدن الكبرى، الضغط على الخدمات الاجتماعية والسكن، وتعميق الهوة بين الريف والمدينة. وفق إحصاء 2024، بلغ معدل التمدين 62.8%، ومن المرتقب أن يرتفع إلى 69.2% في أفق 2040. وهذا يعني موجة حضرية ستضغط على منظومة اجتماعية لم تستعد لاستقبالها.
V- النموذج التنموي وعد لم يُنجَز
في سنة 2021، قدمت اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد تقريرها الذي أوصت فيه بضرورة رفع معدل النمو إلى 6% سنويا لاستيعاب الطاقة الشغيلة المتزايدة وتقليص الفوارق الاجتماعية. اليوم، وبعد أربع سنوات من تقديم ذلك التقرير، لم يتجاوز معدل النمو في المتوسط 3%، أي نصف ما أوصى به النموذج التنموي الذي كلف به أبرز الاقتصاديين والمفكرين المغاربة.
هذا الفج بين طموح النموذج وحقيقة الأرقام لا يعني فشل النموذج وحده، بل يعكس عمق الاختلالات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد المغربي:
- الاعتماد المفرط على قطاع الفوسفاط الذي يجعل الاقتصاد رهينا بتقلبات أسعار المواد الخام.
- تدني الإنتاجية: في مؤشر الابتكار العالمي 2023، احتل المغرب المرتبة 70 من 132 دولة إجمالا، لكنه حل في المرتبة 111 في خلق فرص العمل المعرفية، وهو تناقض يلخص معضلة التنمية.
- سوق العمل لا يوظف من تخرجهم الجامعات: خريجو الدراسات العليا يسجلون أعلى معدلات البطالة بين الفئات العمرية.
- الاقتصاد غير الرسمي الذي يمثل ثلث التوظيف غير الزراعي يعمل خارج دائرة الحماية الاجتماعية والتأهيل المهني.
ودلت توقعات منظمة OCDE لسنة 2024 على أن المغرب - رغم الإصلاحات الجارية في الحماية الاجتماعية وتوسيع التأمين الصحي- يحتاج إلى "مسار تقارب أكثر قوة" مع مستويات الدخل المرتفع "لتحقيق رؤية النموذج التنموي الجديد". وهو كلام مهذب عن حقيقة عارية: الوتيرة الراهنة غير كافية.
خاتمة
المغرب بلد لا يعوزه الطموح ولا يفتقر إلى البنية الخطابية للتنمية. تقارير، مخططات، مناظرات، نماذج تنموية، كل ذلك موجود بوفرة. ما يغيب هو ذلك الرابط العضوي الذي يجعل من النمو الاقتصادي ترجمة مباشرة في جيب المواطنين الذين يمثلون غالبية صامتة وثقيلة الحجم.
يقول الاقتصادي اللبناني الأصل Dani Rodrik ما مضمونه أن الاقتصادات الناجحة هي تلك التي تنشئ وظائف "جيدة" لفئاتها الأكثر هشاشة. بهذا المعيار، يقيم المغرب في منطقة التردد: لا هو انضم إلى نادي الدول التي حولت نموها إلى رخاء عام، ولا هو مر على مراحل "الفخ" دون أن يشعر بثقلها.
أجل، كثير من الإنجازات حقيقية، لكنها دعوة إلى القراءة العكسية للأرقام: كلما رأينا رقما ماكرو-اقتصاديا مبهجا، لنسأل ما يختبئ خلفه. ففي كثير من الأحيان، يختبئ وراءه مواطن يتعب.
وسيبقى السؤال الحقيقي معلقا: متى سيتحول النمو من إحصائيات تقرأ في التقارير إلى حقائق معيشة تحس في البيوت؟
وفي ظل هذه المفارقات الصادمة التي تضع النسيج المقاولاتي والقدرة الشرائية للمواطن على المحك، يبرز التحدي الأكبر للفاعل السياسي، فماذا أعدت وكيف استعدت الأحزاب السياسية لهذه المعضلة ونحن مقبلون على الاستحقاقات الانتخابية؟

المصادر والمراجع
1- البنك الدولي، ملف المغرب الاقتصادي، 2025. (worldbank.org/country/Morocco)
2- المندوبية السامية للتخطيط، الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، ديسمبر 2024. (hcp.ma)
3- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OCDE، المسح الاقتصادي للمغرب 2024، سبتمبر 2024. (oecd.org)
4- مركز كارنيغي للسلام الدولي، "مسار المغرب الطويل نحو التحول الاقتصادي"، أكتوبر 2024. (carnegieendowment.org)
5- العربي الجديد، "البطالة تحرك جيل Z في المغرب"، أرقام المندوبية السامية للتخطيط، 2025. (aajsa.com)
6- المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تقرير سوق الشغل، 2024.
7- موقع بلبريس، "معطيات رسمية تكشف واقع التشغيل"، استنادا لبيانات . HCP 2026 (belpresse.com)
8- Policy Center for the New South، "Inequality in Morocco"، Uri Dadush & Saoudi . 2019.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟