مقدمة:
من منظور سوسيولوجيا الأدب، كل نص أدبي ليس سوى تجربة اجتماعية تجرى عبر واقع متخيل، ورغم كل ما يمكن أن يضعه الأديب من شروط موضوعية لممارسة إبداعه، إلا أن المجتمع يلقى بظلاله على سيرورة العملية الإبداعية، بل ويوجه مساراتها في كثير من الأحيان، فالأدب على خلاف ما يرى أنصار التحليل النفسي، ليس نتاجاً ذهنياً نفسياً خالصاً، بل هو محصلة لتداخل عوامل مجتمعية يحضر فيها النفسي والجمعي والتاريخي، فالمجتمع ملازم للأدب في شروط إنتاجه وتفاصيله أيضاً. والأديب ابن مجتمعه يتأثر بما يتأثر به أفراد المجتمع، وينعكس على إبداعه ما يسود مجتمعه من عادات وتقاليد وعقائد ونظم ومبادئ وأفكار، وهو يعبر عن هموم مجتمعه وآماله مثلما يعبر عن تجاربه وأحاسيسه، ولا يتوقف عند حدود تصوير الواقع كما هو بل يعبر عن رؤيته لإعادة تشكيل الواقع وصياغته.
ويُعد الانتقام أو الثأر للنفس ممن ظلمها أو خانها أو انتقص من حقوقها، جزءا من طبيعة البشر والمجتمعات الإنسانية، ولما كان الخطاب الأدبي ليس مجرد بنية لسانية محايدة، بل هو بنية اجتماعية وتاريخية وسيكولوجية، تحمل ملامح العصر والواقع الاجتماعي ورؤى مُنتِج الخطاب السردي، فقد حفل الأدب بصفة عامة، والرواية بصفة خاصة، بالعديد من الأعمال الإبداعية التي تتناول فكرة الانتقام، بل إن أنجح الأعمال الإبداعية والدرامية على مر التاريخ هي تلك التي قامت على فكرة الانتقام، وقدمت صياغات عميقة لمشاعر الراحة التي تغمر الإنسان الغاضب بعد الانتقام، وهو ما دفع العديد من علماء الاجتماع والنفس للبحث المتعمق حول هذا الجانب الإيجابي وراء فكرة الانتقام.
حيث يرى علم النفس الحديث أن الرغبة في الانتقام تنبع من محاولة الفرد اللاشعورية لتعويض الشعور بالعجز والضعف الناجم عن التعرض للأذى، فالانتقام بمثابة دفاع عن الذات ضد الانتهاك، وحماية لها من الانهيار. كما يربط علم الاجتماع الحديث الانتقام بفكرة الضبط الاجتماعي وانهيار الثقة في العدالة المؤسسية؛ فكلما ضعفت سيادة القانون، زاد لجوء الأفراد إلى الثأر الشخصي لتحقيق العدالة الخاصة بهم وإعادة التوازن الاجتماعي المفقود.
ومن العلماء المعاصرين الذين اهتموا بهذه الفكرة، عالم النفس التطوري بجامعة ميامي مايكل ماكولاه، الذي أمضى ما يزيد على عشر سنوات في دراسة الثأر والصفح، وأكد في كتابه الصادر عام 2008 والمعنون: (ما وراء الانتقام: تطور غريزة التسامح Beyond Revenge: the Evolution of the Forgiveness Instinct) أن الناس في جميع المجتمعات يدركون فكرة الغضب والرغبة في رد الإيذاء بمثله. وأن ما يصل إلى 20 في المئة من جرائم القتل و60 في المئة من حوادث إطلاق النار في المدارس كان لها صلة بالانتقام.
كذلك هناك ارتباط لا ينفصم بين الخيانة - خاصة ما يتعلق بالشرف - وبين الانتقام، وهو ما أكد عليه الفيلسوف وايتلي كوفمان في كتابه: (الشرف والانتقام: نظرية العقاب Honor and Revenge: A Theory of Punishment) الصادر عام 2013، فالانتقام في حد ذاته يعيد شرف الشخص المسلوب. وهو ما يجعل الانتقام مقنعا ومُرضيا للغاية، سواء تم تنفيذه من خلال أفعال انتقامية عفوية، أو عن طريق أعمال انتقام محسوبة ومخطط لها.
وإذا كانت العلاقة بين العنف واللذة ليست جديدة، حيث أشار عالم النفس سيجموند فرويد إلى أن المرء يشعر بالراحة عندما يفرغ شحنة غضبة بالتعدي على الأخرين، فتعرضنا للظلم، يجعلنا نشعر بالعجز والضعف، إلا أن السعي للانتقام يمكن أن يساعدنا على استعادة الشعور بالقوة والسيطرة وتأكيد هيمنتنا على الموقف، ويجعلنا نشعر بتحسن عاطفي، لأنه يحرر غضبنا وإحباطنا. إلا أن فكرة أن الانتقام له لذته الخاصة لم تتضح إلا مؤخراً؛ حيث كشف الباحثان: ديفيد تشيستر من جامعة فيرجينيا كومنولث، وزميله ناثان ديوول من جامعة كنتاكي، في دراستهما المعنونة: (لذة الانتقام The Pleasure of Revenge) المنشورة عام 2016، عن مدى تشابك العلاقة بين الألم النفسي واللذة. فبينما يشعر الشخص المنبوذ بالألم، سرعان ما يكتسي الألم باللذة حينما تسنح له الفرصة للانتقام، فأولئك الذين يتخذون من العنف وسيلة للتعبير عن غضبهم من الأخرين، ربما يتلذذون بالانتقام، بل إن الإنسان لا يجد في الانتقام لذة فحسب، ولكنه يسعى للانتقام لكي يستشعر هذه اللذة. كما كشفت دراسة حديثة أخرى أجريت على 1700 شخصاً ونشرت في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي الأمريكية، أن الرغبة في الانتقام هي محاولة من العقل الباطن لإعادة التوازن لمشاعر الشخص، فالانتقام يشفي جروحه النفسية ويغيّر من مزاجه ويجعله يشعر أنه أفضل.
ورغم ذلك فإن الدراسات الحديثة تؤكد على أن الباحثين عن الثأر لا يجنون إلا متعة لحظية فقط، حيث يشعر المرء بالراحة في لحظة الانتقام، ثم ينزلق في حلقة مفرغة من الانتقام تتخذ شكل الإدمان، ليصبح حاله بعد الانتقام أسوأ مما كان عليه قبله.
ومن هنا تُمثل رواية "قيامة البنفسج" للكاتب رضا محروس، والصادرة عن دار الفاروق للاستثمارات الثقافية هذا العام، مختبراً سردياً شديد التعقيد لثنائية "الانتقام والتطهر". ومرآة عاكسة للتحولات العميقة التي تضرب بنية المجتمعات، حيث يتقاطع الشأن الذاتي الفردي مع الشأن العام في نسيج سردي معقد، يتجاوز إطار الحكاية البوليسية أو دراما الجريمة المعتادة، ليؤسس لمقاربة سوسيولوجية ونفسية شديدة العمق، لا تكتفي بالغوص في النفس البشرية وتعريتها وكشف تناقضاتها وتشريح ديناميكية الصراع الداخلي للإنسان حين ينسحق تحت وطأة الخيانة، وكيف تتأرجح نفسه بين غريزة الانتقام والتشفي من جهة، ونزعة التسامي والتطهر والخلاص الروحي من جهة أخرى، بل تُقدم تشريحاً نقدياً لتشوهات الواقع الاجتماعي وتناقضات المجتمع الرأسمالي المعاصر وانهيار منظومته القيمية، في نفس الوقت. وهو ما نتناوله ببعض التفصيل في هذه الدراسة.
أولاً: عرض إجمالي للرواية:
تقوم الرواية على حبكة درامية متصاعدة تتأرجح بين العشق، والهوس، والموت، حيث تبدأ بـ "شهاب"، رجل الأعمال الثري الذي يعيش حالة من العشق الجارف وهوس التملك لزوجته "أمينة". ولكن الأحداث تتأزم حين يداهمه صداع عنيف ومتكرر، ليكتشف أنه سيفارق الحياة خلال خمسة أشهر (150 يوماً فقط). فيقرر "شهاب" مدفوعاً بهوس التملك وعدم قدرته على تصور ترك زوجته وحيدة أو في أحضان رجل آخر بعده، بدس سم بطيء لها في مشروبها اليومي حتى تموت معه في نفس الموعد. لكن المفاجأة تقع حين تفارق الزوجة الحياة مبكراً بعد سبعين يوماً فقط.
يكتشف شقيق الزوجة "مروان"، حقيقة وفاة أخته، ويبتز "شهاب" مالياً، ثم يقوم بالإبلاغ عنه، ليُسجن البطل ويُودع في مصحة نفسية للتأكد من سلامة قواه العقلية. ولكنه يستطيع الهرب بمساعدة صديقه المحامي "كريم الزهار"، ليكتشف الحقيقة المدوية: زوجته كانت تخونه، وكانت حاملاً من عشيقها، وهي من تآمرت مع الأطباء لإقناعه زوراً بأنه مصاب بسرطان المخ، وهي التي كانت تسممه ببطء طمعاً في ثروته.
يبدأ البطل رحلة انتقام من زوجته وعشيقته المقتولة، في شخوص كل من خانوه أو خانته معهم، فيقتل جاره "فادي علوان". ثم يستعين بفتاة ليل تدعى "سونا"، بعد أن ينتشلها من الشارع، للإيقاع بشقيق الزوجة وعشيقها المهندس "مازن مهران". وتنتهي الرواية بتخلي البطل عن شهوة الانتقام الأخيرة، ليدخل في تجربة تطهر صوفية تخلصه من أعباء الماضي.
ثانياً: الرواية مختبراً سوسيولوجياً:
تمثل رواية "قيامة البنفسج" للكاتب "رضا محروس" مختبراً سوسيولوجياً شديد الثراء، حيث تتجاوز بنيتها السردية مجرد سرد الأحداث لتغوص في تحليل التفاعلات الإنسانية المعقدة، ويمكن تفكيك ذلك من منظور علم اجتماع الأدب، من خلال العناصر التالية:
1- سيكولوجية الشخصيات والنمذجة الاجتماعية:
حرص رضا محروس، من الناحية السيكولوجية، على ألا يُقدم شخصيات مسطحة بسيطة، بل استطاع بحرفية عالية أن يُقدم في روايته شخصيات مركبة تمثل نماذج مجتمعية واقعية وحقيقية، ويتضح ذلك فيما يلي:
أ) شخصية البطل "شهاب": قدمت نموذجاً صارخاً للحب المَرَضي الذي يقوم على هوس التملك والنرجسية الذكورية، وينحدر نحو السادية المقنعة. فقراره بسلب حياة زوجته لمجرد يقينه باقتراب أجله، وعدم قدرته على تخيلها تعيش مع رجل آخر، يكشف عن هشاشة نفسية ونرجسية ذكورية تتخفى خلف قناع العشق المفرط. وهي تطابق ما سماه عالم الاجتماع المجرى (جورج لوكاش) بـ "البطل المشكل"، وهو ذلك البطل الذي يدور في فلك الأُطر الاجتماعية ذات القيمة العالية أو المنحطة بهدف تعريتها والتفاعل معها أو رفضها. هو ضحية وجلاد في آن واحد، شخصية تتشظى بين العشق والانتقام، وبين الخوف من الموت والبحث عن العدالة المفقودة.
ب) شخصية الزوجة "أمينة": قدمت نموذجاً صارخاً لما يمكن تسميته سيكوباتية الخيانة؛ حيث جسدت التناقض المرعب بين المظهر البرجوازي الأنيق والجوهر السيكوباتي الإجرامي الخالي من التعاطف. فرغم إغداق الزوج عليها بالحب والمال، تآمرت لتصفيته بدم بارد عبر وضع سم بطيء في مشروبه اليومي، ومارست الخيانة في فراشه، مما يعكس شذوذاً نفسياً وعاطفياً عميقاً.
ج) شخصية "سونا": قدمت نموذجاً يمثل المهمشين والمسحوقين تحت وطأة المجتمع الرأسمالي المادي. لتصبح معادلاً أخلاقياً يفضح انحطاط الطبقة المخملية، فرغم عملها في البغاء نتيجة القهر والظروف المأساوية (اغتصاب زوج عمتها لها، وزواجها من مدمن استباح جسدها)، إلا أنها احتفظت بنقاء داخلي ووفاء مطلق ظهر مباشرة بمجرد أن وجدت من يعاملها كإنسانة.
د) شخصية "عم خميس": قدمت نموذجاً للبُعد الصوفي المتسامي في الرواية، حيث يمثل التدين المتسامح مع النفس والآخرين، والحكمة الفطرية، والامتداد التاريخي النبيل (حرب أكتوبر)، والمرشد الروحي الذي يقود البطل نحو الخلاص والتطهر.
كذلك جاءت باقي شخصيات الرواية معبرة عن نماذج اجتماعية حقيقية يمكن أن يلاحظها القارئ في حياته اليومية؛ فهناك شخصية شقيق الزوجة "مروان" النصاب الانتهازي الذي لا يتورع عن استغلال أي شيء في سبيل منفعته الخاصة حتى ولو كان المساومة على دم شقيقته، وهناك شخصية "كريم الزهار" صديق البطل المحامي البرجماتي الذي يحسن التخطيط والتدبير واستثمار المتاح للوصول إلى الهدف، وهناك شخصية الجار "فادي علوان" الرأسمالي الجشع الذي ينساق وراء اشباع رغباته وشهواته مهما كان الثمن، وأخيراً هناك شخصية المهندس "مازن مهران" عشيق الزوجة الانتهازي الأناني المستهتر الذي يهرب باستمرار من المسئولية بغض النظر عما تؤدي إليه أفعاله من آلام للآخرين.
2- تسليع الإنسان وانهيار المنظومة الأخلاقية:
يفسر عالم الاجتماع البولندي "زيجمونت باومان" في كتابه: (الحب السائل Liquid Love) الصادر عام 2003، كيف تتفكك الروابط الإنسانية في المجتمع الاستهلاكي المادي، حيث تصبح العلاقات قابلة للاستبدال والخيانة بسهولة. في هذا المجتمع السائل، يصبح الانتقام هو اللغة الوحيدة لمحاولة استعادة الإنسان لتوازنه المفقود. وقد استطاع الكاتب رضا محروس في روايته أن ينسج خيوطاً درامية متشابكة تعري هذا الانحلال وتفضح هشاشة القيم في مواجهة سطوة المال وهيمنة المادية والفساد على المجتمع، بحيث تحول كل شيء إلى سلعة قابلة للبيع والشراء. يتجلى ذلك في ظهور أشكال عديدة من الفساد في المجتمع، تؤشر على إن النخبة في الرواية (رجال أعمال، مهندسون، أطباء، محامون) مصابة بعطب أخلاقي فادح، حيث الخيانة والمؤامرة هما العملة السائدة. ومن صور هذا الفساد الذي أبرزته الرواية:
الفساد الطبي الذي يتمثل في سهولة شراء ذمم الأطباء لتزوير تقارير طبية خطيرة تحكم على إنسان بمرض السرطان والموت المحتم، مقابل رشوة بلغت مليوني جنيه.
والفساد المالي الذي يظهر في شخصيات مثل "حاتم قنديل" و"مروان" اللذين يختلسان أموال الشركة ويتقاضيان عمولات غير مشروعة، وفي شخصية "فادي علوان" رجل الأعمال الفاسد الذي يخرج من قضايا الآثار الكبرى بدفع ملايين الجنيهات للمحامين، وفي سلوكيات "مروان" الذي ساوم على دم شقيقته مقابل عشرة ملايين جنيه لتجاهل تقرير الطب الشرعي.
والفساد القانوني والأمني الذي يظهر في استغلال المحامي "كريم الزهار" نفوذه السياسي وعلاقاته لتسهيل هروب البطل وطمس الحقائق.
باختصار، ترسم الرواية صورة قاتمة للمجتمع الرأسمالي المعاصر الذي تطغى فيه قيم المادة والمال والأنانية على جميع القيم، مما يشكل بيئة خصبة لنمو مختلف أشكال الفساد، الذي يُغرق المجتمع بكل فئاته، ويُنذر بانهياره الوشيك.
3- سوسيولوجيا التهميش وتناقضات القاع والقمة:
الأدب ليس إلا تجسيدًا لعوامل التناقض الاجتماعي في جميع مظاهره، والصراع الحاصل بين الطبقات لا يمثل ظاهرة مستقلة عن الواقع، بل يصور لنا الصراع الدائر بين تطلع الإنسان وواقعه المفروض عليه. ومن هنا، يقدم الكاتب رؤية سوسيولوجية ثاقبة لطبقة المهمشين والمسحوقين، في مقابل طبقة رجال الأعمال وأصحاب النفوذ في المجتمع.
حيث يعقد الكاتب مقارنة اجتماعية حادة بين عالمين؛ عالم القمة المجتمعية أو الطبقة المخملية المليء بالخيانة، والمجون، وتزييف الحقائق، والذي يتمثل في حالة "أمينة" الزوجة الخائنة، البرجوازية الأنيقة التي تمثل الواجهة الاجتماعية المحترمة بينما تمارس أبشع أنواع الخيانة والقتل والتآمر، فرغم توفر كل متع الحياة لها، من مال وعمل وزوج محب، لكنها رغم ذلك تخونه وتسعى للتخلص منه لتتنعم مع عشيقها بأمواله وثرواته. وحالة "فادي علوان" رجل الأعمال الفاسد الذي يتاجر في الآثار ويدفع ملايين الجنيهات للتغطية على جرائمه، ولا يتورع عن فعل أي شيء يشبع رغباته المنحرفة ولو كان خيانة جاره مع زوجته. وكذلك حالة "مروان" شقيق الزوجة اللص المختلس الذي لا يتورع عن التفريط في دم أخته مقابل المال. وحالة "كريم الزهار" المحامي لذي يفعل أي شيء لتحقيق أهدافه حتى ولو كانت تخالف القانون الذي من المفترض أنه من رجاله. وغيرهم من رموز هذا العالم الفاسد.
وفي المقابل، يغوص السرد في العالم الآخر الذي يمثل قاع المجتمع ويعاني من التهميش والحرمان، تلك الطبقة المسحوقة التي يفرزها تشوه البُنى الاجتماعية وانعدام الحماية، ورغم ذلك تحمل في أعماقها نقاءً ووفاءً وصدقاً لا يوجد في عالم القمة. والذي يتمثل في حالة "سونا" فتاة الليل، التي يقدمها الكاتب بوصفها اختزالاً لتراجيديا القهر المزدوج (الفقر والسلطة الذكورية)، حيث دفعها تفكك أسرتها واغتصابها تحت تهديد السلاح على يد زوج عمتها للهروب. ثم الزواج من ميكانيكي مدمن يسرق مصاغها ويتركها فريسة لأصدقائه لنهش جسدها، لتنتهي كسلعة في الملاهي الليلية. ومع ذلك، حين أُتيحت لها فرصة الحياة الكريمة ووجدت الأمان لدى البطل، أثبتت أنها تمتلك شرفاً، ووفاءً، ونبلاً وتضحية تفوق أضعاف ما تملكه الزوجة البرجوازية الأنيقة "أمينة". إنها رسالة سوسيولوجية تكشف زيف المجتمع، وتؤكد أن الانحطاط الحقيقي يكمن في سماسرة القمة، وليس في ضحايا القاع.
4- الهيمنة الذكورية وهوس التملك:
يطرح النص في نصفه الأول إشكالية "الحب الاستحواذي" الذي يتخفى خلف قناع العشق المطلق، ليتحول لاحقاً إلى انتقام دموي مدمر. فوفقاً لمقاربة عالم الاجتماع والمحلل النفسي "إريك فروم" في كتابه (التملك أو الكينونة To Have or to Be) الصادر عام 1976 وترجم إلى العربية عام 1989بعنوان: (الإنسان بين الجوهر والمظهر)، هناك نوعين من الحب؛ الحب الحقيقي القائم على الكينونة والذي يمنح الحرية والنمو للآخر، والحب المَرضي الاستحواذي القائم على التملك والذي يرى الآخر كشيء أو ملكية خاصة. وهذا النوع الأخير يتجسد في حب "شهاب" لزوجته "أمينة"، فعندما يتوهم بأن أيامه في الحياة باتت معدودة نتيجة مرض السرطان المزعوم، يقرر سلب زوجته حقها في الحياة، فيدس لها السم البطيء ليقتلها معه في نفس الموعد، مبرراً ذلك بعدم قدرته على تخيلها في حضن رجل آخر بعده. هذا الفعل ليس حباً، بل هو أقصى درجات الاستحواذ، حيث تصبح الزوجة مجرد امتداد مادي لجسد الزوج يجب أن يفنى بفنائه.
ولكن بمجرد اكتشاف البطل لخيانة زوجته، ينقلب هذا الحب التملكي إلى رغبة وحشية في الانتقام. وهو ما يستدعي لدينا مفهوم "الهيمنة الذكورية" لعالم الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو"؛ في كتابه الصادر عام 1998 حيث يرى أن الهيمنة الذكورية هي نظام اجتماعي وثقافي متجذر يجعل سيطرة الرجل على المرأة تبدو وكأنها أمر طبيعي ومقبول، وذلك عبر آليات رمزية خفية تُعيد إنتاج نفسها باستمرار في الحياة اليومية. فالبطل حين يكتشف الخيانة لا يقبل جرح كرامته النرجسية، ويكون الرد الحتمي هو الانتقام وإراقة الدماء.
5- سوسيولوجيا الانتقام وأزمة العدالة الفردية:
تنطلق شرارة الانتقام في الرواية من انهيار "العقد الاجتماعي العاطفي" الذي كان يحكم عالم البطل "شهاب". فعندما يكتشف خيانة زوجته وتآمرها للتخلص منه، ينهار إيمانه بالمنظومة المجتمعية بأكملها، فيسقط في فخ العنف ويندفع نحو الانتقام كآلية دفاعية لاسترداد ذاته المستباحة وشرفه المسلوب، ويبدأ بتنفيذ أحكام الإعدام بنفسه فيمن خانوه، سعياً لتحقيق العدالة من وجهة نظره.
لكن الكاتب استطاع أن يصور ببراعة سردية التكلفة النفسية للانتقام، فهو لم يجلب للبطل الراحة المنشودة، بل أصبح حملاً يثقل كاهله، ويجعله ينهار جسدياً، ويدخله في نوبة من الرعب والارتعاد والأسئلة الوجودية القاسية حول جدوى الدم. يظهر ذلك بوضوح في تساؤل البطل بعد قتله لجاره: "هل كان يستحق القتل؟ هل تسرعت في إصدار حكم الإعدام عليه ومن ثم قمت بتنفيذه بيدي تلك؟". وهو ما يعكس بقايا الضمير الحي لدى البطل، والذي يرفض الانزلاق الكامل في مستنقع الجريمة.
6- سوسيولوجيا التطهر والخلاص الروحي:
في مقابل مسار الانتقام الدموي، رسم الكاتب مساراً آخر ارتكز على فعل "الإنقاذ" والعطاء كمعادل موضوعي للتكفير عن الذنب والبحث عن السلام، من خلال السعي إلى تطهير الذات عبر تطهير الآخرين. يتجلى هذا المسار سوسيولوجياً في موقف البطل من فتاة الليل "سونا". فبدلاً من استغلال جسدها المستباح كما يفعل الآخرون، يقرر إنقاذها، وإيواءها، وتطهيرها من دنس الخطيئة الذي دُفعت إليه قسراً. هذا الفعل الاستثنائي كان في جوهره محاولة من البطل لتطهير روحه هو، والتكفير عن الأرواح التي أزهقها، عبر منح الحياة الكريمة لإنسانة مسحوقة. بالإضافة إلى تبرع البطل بأموال طائلة للجمعيات الخيرية والملاجئ، وبنائه لمسجد أمام مزرعته. وكأن السرد يشير إلى أن الخلاص من رجس الخيانة لا يتم إلا بالتجرد من الماديات، وإيقاف عجلة الدم للحفاظ على ما تبقى من إنسانيته.
ويبلغ الصراع النفسي بين شهوة الانتقام وحلم التطهر ذروته السردية والدرامية في مشهد اختطاف المهندس "مازن مهران" عشيق الزوجة. حيث يقف البطل أمام الرجل الذي دمر حياته، مقيداً إياه في مبنى مهجور، يوجه فوهة مسدسه إلى رأسه، ويوسعه ضرباً ولكماً حتى ينفجر الدم من وجهه. في هذه اللحظة، تصل شهوة الانتقام إلى أقصاها، وتتهيأ كل الظروف لتصفية الحساب الدموي. إلا أن الكاتب يُحسم هذا الصراع النفسي لصالح الخلاص الروحي عبر توظيفه للميتافيزيقا. حيث يذهب البطل إلى المسجد الذي بناه في مزرعته، وهناك يفقد وعيه المادي ليدخل في تجربة صوفية استثنائية (تشبه حادثة شق الصدر الموروثة). ويرى كائنات نورانية تشق بطنه وتخرج أحشاءه وتغسلها في إناء فضي بسائل ناصع البياض طيب الرائحة. هذا الغسل يمثل معادل رمزي لاقتلاع تشوهات الماضي، وغسل القلب من الغل، والحقد، ورغبة الثأر المذمومة.
خاتمة نقدية:
من خلال القراءة السوسيولوجية الفاحصة للرواية كعمل إبداعي متكامل، يمكن تسجيل بعض المآخذ على البنية السردية الفنية للرواية، لعل أهمها:
وقوع الكاتب في فخ التنميط الدرامي في رسم شخصياته النسائية إما بالأبيض أو الأسود مع غياب الظلال الرمادية عنها؛ فالزوجة "أمينة" جُُسدت ككتلة من الشر المطلق والخيانة الدنيئة، في حين رُسمت فتاة الليل "سونا" كنموذج للملائكية والتضحية المطلقة فور إنقاذها، مما أضعف من واقعية التركيبة الإنسانية لهاتين الشخصيتين.
كذلك، الاعتماد على المصادفات السردية غير المبررة منطقياً، وترهل الحبكة البوليسية للرواية في عدة مواضع، مثل سهولة تخطيط وتنفيذ عملية هروب البطل المتهم بجريمة رأي عام من المصحة النفسية وتدبير ملاذ آمن له، ثم قدرته على التحرك بحرية لقتل جاره في مسبحه الخاص في وضح النهار والانصراف دون أن يرصده أحد أو تشك فيه الشرطة فوراً رغم أنه هارب من المصحة.
وأيضاً، التحولات الدرامية الحادة وغير المبررة للشخصيات؛ يظهر ذلك جلياً في شخصية "سونا"؛ فرغم براعة تقديم خلفيتها المأساوية، إلا أن تحولها المفاجئ بين ليلة وضحاها من فتاة ليل مطاردة ومنكسرة، إلى معاونة ذات مهارات استخباراتية، تتقمص شخصية سكرتيرة محترفة وتنجح في استدراج وتخدير واختطاف مهندس متمرس باحترافية عالية، تفتقر للتدرج المنطقي والإقناع الفني.
ورغم ذلك، تمثل رواية "قيامة البنفسج" لرضا محروس إنجازاً سردياً شديد التعقيد والثراء، يمزج بين حرفية الإثارة البوليسية وعمق التقصي السيكولوجي والاجتماعي، وتقدم تشريحاً سوسيولوجياً دقيقاً لأزمة الفرد المعاصر، واستنطاق المسكوت عنه في العلاقات الإنسانية والتناقضات الطبقية، حيث استخدم جدلية (الحب/الانتقام) لتعرية هشاشة العلاقات القائمة على التملك والمادة في المجتمع الرأسمالي، ثم استعان بجدلية (الانتقام/التطهر) ليقدم أطروحته بأن الخلاص النهائي للروح الإنسانية لا يتأتى بإراقة دماء الخونة، بل بالقدرة على العفو. وأخيراً تمثل الرواية وثيقة أدبية بالغة الأهمية، تقرع أجراس الإنذار حول الانهيار الأخلاقي، وتكشف الغطاء عن زيف المجتمع الاستهلاكي، وتؤكد بأسلوب شائق أن قيامة الروح لا تتأتى إلا باحتراق قشور المادة الزائفة، وأن التسامي فوق جراح الخيانة هو الطريق الوحيد نحو النور والخلاص المطلق.