المُهرِّج – قصة: خير الدين طاهر جمعة

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

مهرّجًا بضحكته الصاخبة كان ، و متفرّدا بسمرته اللافتة ومزاحه الذي لا يتوقّف و نكته التي لا ينفك يلقي بها وسط رفاقنا ، تستغرب صوته الشامخ الذي يملأ مقهى الحي حين ألعب معه الورق ، كنت دائما رفيقه في اللعب و أستطيع معرفة أوراقه من نظرات عينيه و تقاسيم وجهه ، لقد كنت أكثر أصدقاء حيّنا فهما له ، و دائما أنتظر اللحظة الذي ننتصر فيها على منافسينا ليصرخ كالمجنون بأعلى صوته و ربما يقف على الكرسي أحيانا و يأخذ في الغناء أغنيته المفضلة ليغيض المهزومين بشكل مسرحي مستفزّ : ( نِنِّي نِنِّي جاك النّوم ..أمّك قمرة .... وبوك نجوم .. نِنِّي جاك النّوم...) تلك الأغنية التي دائما يردّدها و سط استغراب كل أصدقائي حتى تعوّدنا عليه و على أغنيته أيضا ، و لكن ما يزيد استغرابي أكثر أنه كان دائما يعود من المقهى إلى بيتهم مبكّرا حتى حين نذهب إلى شاطئ البحر ، يصرّ على العودة عشيّةً و يقول لنا إنه يكره البحر في الليل !! كان منزله في طريق بيتنا على حدود الحي المجاور لذلك دائما نترافق في العودة عند غروب الشمس ، في هذا الوقت بالذات ينتهي النهار عند الطاهر فإذا عاد إلى بيتهم لا يخرج أبدا ، أما نحن و مع أوج المراهقة الذي يعصف بنا نخرج بعد المغرب للسهر خاصة في الصيف و التسكع بين حفلات الأعراس الصاخبة بقريتنا في تلك الأثناء كانت ضحكاته وروحه المرحة تملأ المكان رغم غيابه ، و الأغرب من كل ذلك تصرفات والدتي التي كانت تعامله معاملة خاصة دون كل أصدقائي فدائما تلحّ عليه بالدخول ليشاركني طعامي ،بل إنها في كثير من الأحيان تزيدني في مصروفي قبل الذهاب إلى المدرسة الإعدادية و تقول لي ( اشتر للطاهر سندويشا معك ) وهو أمر يحوّل استغرابي إلى دهشة مكابرة ،لم أكن أعرف أسرته لأنه لم يكن من حينا لكن أمّي تعرف والدته ،فمنزلهم غير بعيد عن بيت جدي وهي من قالت لي إنه يعيش بمفرده مع والدته العجوز ، وهو مسؤول عنها خاصة بعد وفاة والده و زواج أخويْه و انتقال أخته للإقامة مع زوجها في العاصمة ، وقد قالت لي ذلك عندما أحست اندهاشي من تصرفاتها إذ حين يصادف أن يدخل بيتنا فننسى أنفسنا في غرفتي و أنا أغرق في الضحك و هو لا يتوقف عن إطلاق نكاته كعادته فما إن يقترب الظلام حتى تأتي والدتي لتقول له بكل لطف :

- الطاهر ولدي ...عُد إلى البيت يا بني لقد تأخر الوقت ( ولدي ما عادش عليك بكري )
أما هو فما إن يسمع تلك العبارة حتّى يقوم مسرعا و كأنه تذكر شيئا و يأخذ في الركض نحو بيتهم ..
ظل صديقنا تكتنفه الأسرار و الأسئلة ، إلى أن جاء ذلك اليوم البارد من شهر يناير المحموم حين جاء الطاهر إلى بيتنا عصرا لنذهب إلى المقهى ، غير أننا حين وصلنا إلى الشارع الرئيسي أخذتنا الدهشة فقد بدا الطريق أقرب إلى الفوضى فهناك من يركض و هناك من يحمل حجرا و الكل متّجه إلى وسط القرية حيث يوجد مركز الأمن فقرّرنا العودة إلى بيتنا و مازاد في ذعرنا أننا لمحنا دبابة تجوب الشارع ببطء مزعج و قد بدأت رائحة غاز القنابل المسيلة للدموع تنتشر في الأرجاء ، لقد كانت بداية انتفاضة الخبز ، و لم تشفع لنا مراهقتنا المبكرة لفهم الذي كان يحدث في البلاد بالضبط ، فركضنا دون أن نشعر نحو بيتنا و ما إن دخلنا نلهث حتى استقبلتنا والدتي بنظرات الانزعاج والخوف و هي تحثّنا على الدخول وتقول بصوت متوتّر :
- لقد أعلنوا حالة الطوارئ هيا ادخلا ...بسرعة ...
الدبابة التي كانت تمر بجنازيرها الثقيلة على الإسفلت و تكاد تهدّ الدار علينا مما زاد من رعبنا ، ها هي تقف أخيرا عند مدخل الحي غير بعيد عن باب بيتنا ، و ما أدهشني حقا في ذلك اليوم الأسود أنني استطعت أن أفهم سبب ملامح أمي التائهة فقد كانت تفكر في شيء آخر، لقد نسيت الدبابة و الغاز المنتشر في القرية و الفوضى و حالة الطوارئ إذ ظلت تنظر إلى الطاهر في حيرة ولم تجد ما تقوله له ، هل تدعوه للمبيت عندنا أم تعيد عبارتها المعتادة ( ولدي ما عادش عليك بكري ) خاصة وأن الظلام قد لف القرية و بعد صمت طويل ثقيل قالت له بحزم :
- ولدي ما عادش بكري عليك الدنيا ظلام ..
ثم قامت و أغلقت الباب الرئيسي و انطلقت تقودنا إلى حديقة بيتنا الخلفيّة وفتحت له الباب الحديدي الصغير ، تركتْه يخرج ثم قالت لي بلهجة صارمة :
- اذهب مع صاحبك ...ما تخليشي وحده ..الدّنيا تخوّف ...
لم أفهم لماذا لم ينم الطاهر في بيتنا و لماذا تخاطر أمي بحياتي من أجله ، ظلت الأسئلة تطرق رأسي بحدة ولكن الشيء الذي فعلتُه هو أنني أخذت أركض خلف الطاهر عابرين بساتين الرمان والزيتون ، في الطريق ونحن نمتطي الذّعر و نمزّق ظلام الليل بخطوات خفيفة ، سمعته يسألني :
- اسمع ..........أتعرف ما معنى زهايمر ؟
أجبته بسرعة مستغربا : - ما ذا قلت ؟
- زهايمر ..زهايمر ...
كانت أول مرة أسمع فيها هذه الكلمة الغريبة ، لم أجبه فقد كنا وصلنا منزله ، بدا لي الطاهر رغم الظلمة وكأن ملامح وجهه قد تغيّرت أو أنني أمام رجل صارم أكبر مني سنّا حين طلب مني أن أقف عند الباب و ذهب هو إلى بيت جيرانهم ، بعد لحظات عاد وهو يمسك والدته من يدها ، عجوز هزيلة الجسم تضع على رأسها بخنقا صوفيا شدّته إلى ذقنها بيسراها اتّقاء للبرد الشديد و تمشي خلفه تجرّ خطوات ثقيلة مرغمة ، بدا لي في الظلام أطول منها مع انحناءة ظهرها فتخيّلتُه كأب يأخذ ابنته إلى المدرسة رغما عنها و هي كأنها تحاول التخلّص من قبضته ، سلمتُ عليها فلم ترد علي ، كانت نظراتها فارغة إلى درجة أني شككت أنها رأتني أو أحست بي ، وحين أخرج الطاهر مفتاح بيتهم بسرعة من جيبه ظلّ ملتفتا يراقب والدته بعينيه و كأنها ستهرب ، ثم فتح الباب و نظراته عليها يطمئن أنها وراءه ، و ما إن دخلنا حتى أخذها إلى غرفتها ثم عاد ليخبّئ مفاتيح البيت في الخزانة المتواضعة التي تتوسط غرفته التي بدت لي عطِنة برائحتها الغريبة و كأنه لم يدخلها أحد منذ مدة ، طلب مني أن أنام على فراشه ثم خرج ، ذهب إلى غرفة والدته ، أحسست كأنه يعدّ لها فراشها أو ربّما يغير ملابسها فقد أطال مكوثه عندها ، عاد بعد ذلك يحمل حشيّة قديمة و أغطية ، استلقى بجانبي أرضا على الحشية دون أن يقول كلمة ، بدا لي متوترا أو مختنقا يتنفس بصوت عال و كأنه يبحث عن هواء نقي ثم أخذ يتقلب على الحشية ، طلبت منه أن ينام مكاني ولكنه رفض ، بعد فترة زمنية قصيرة أخذتني غفوة خاطفة حين أحسست أن الطاهر قد انسلّ إلى غرفة والدته ، ظللت أنتظر عودته و لكنه لم يأت ، وحين أطال مكوثه ، قمت من الفراش رغم البرد القارس و أطللتُ برأسي من الباب ، في تلك اللحظة سمعت صوتا غريبا لم أتبيّنه جيدا في البداية ، ولكني أرهفت سمعي جيدا فتأكدت في تلك اللحظة إلى صوت صادر من غرفة والدته ، خافت يغنّي ، نعم صوت يغنّي ، لقد كان صوت الطاهر:
( نِنِّي نِنِّي جاك النّوم ..أمّك قمرة .... وبوك نجوم .. نِنِّي جاك النّوم..) ظل الصوت يتكرر مرتعشا خجولا و يزيد انقباضي فيخنقني كألم بلا ذاكرة ، بدا لي الصوت مكتوما يراقص البرد و يتلفّح بالظلام ....!
لم يعد الطاهر إلى فراشه تلك الليلة ...و تقطّع نومي عديد المرات ، تذكرت كلام أمي و هي تقول له لقد تأخّر الوقت ، و تذكرت غناءه في المقهى وضحكاته المُجلجلة على شاطئ البحر ....شعرت في تلك الليلة أن النشيج يكاد يخنقني بلا رحمة ....!
في الصباح أتى إلى غرفته و هو يمشي متحاشيا أن يُحدث أيّ صوت ، لم أشأ أن أسأله عن شيء ، كانت الفوضى تعصف بداخلي و تدمّر شتاتي ، انتبهت إليه يسألني راسما ابتسامة لامعنى لها :
- هل نمت جيدا ؟
قلت له كاذبا : - نعم
ثم سألني مجددا : - كان يوما طويلا وليلة باردة قل لي : هل سمعت شيئا البارحة ؟
فأجبته واثقا :
-لا ..لا ..لم أسمع شيئا ...
فهم الطاهر سبب شرودي وحزني فجلس بجانبي على الفراش ، ظل صامتا فترة ثم قال لي بصوت خافت وعيناه تجولان في الفراغ و كأنه يكلم نفسه :
- كل يوم لابد أن آخذها إلى بيت الجيران ، هم من أقاربنا البعيدين ، لا أستطيع أن أتركها وحيدة .....تظل هناك يوما كاملا تتسلى مع النسوة و هن يحكْنَ السجّاد و المرقوم ... وفي الليل أعود بها إلى البيت هي الآن لا تعرف إلا بيتين في هذا العالم منذ حصل ما حصل ...تلك حياتها منذ أن مات أبي ....
كنت أعرف في ذلك الصباح البارد أن صديقي لم يذكر لي كل الحقيقة ولكنني أردت أن تبقى الجراح نائمة .، كم كنت مخدوعا فأنا لم أكن أفهم صديقي أبدا .!!!!
.... ولكن يكفيني في ذلك الصباح أنني و جدت إجابة على سؤاله ...
نعم فقد فهمت و أنا في مثل ذلك السنّ ....ما معنى زهايمر ...!!

- زهايمر يعني أن تضحك بصخب و تبكي بصمت ..!
العين 9/3/2026

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟