غــيـــرة – قصة: د. الحسين لحفاوي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

ظل يتقلب في فراشه منذ أيقظه صوت المؤذن الصادح مخترقا سكون الهزيع الأخير من الليل حين يحلو النعاس ويرتدي الكون غلالة شفافة من الهدوء والسكينة، فلا تَسمع إلا هسيس الملائكة الطوافون يعرجون بخبر الأرض إلى السماء. ظل يتقلب منذ سمع صوت المؤذن يلعلع منبها النائمين والغافلين إلى أن الصلاة خير من النوم. كان صوتا شجيا عذبا يؤنس النفوس ويرغِّبها. هو لا يحصي عدد المرات التي سمع فيها ذاك النداء ولا يدري كم مرة استجاب أو كم مرة تجاهل، فالإيمان في قلبه لم يكن ثابتا يوما، فقد كانت جذوته تستعر مرة وتخبو أخرى.
صباح ذلك اليوم لم يكن كغيره من الصباحات. كان بحجم الوجع الساكن بين جنبيه. عندما أطلت الشمس من وراء هامة الجبل الجاثم على أطراف القرية، أحسّ أنها متكاسلة متباطئة خجلى كأنها لا ترغب في إسعاد الكون ببهائها وضيائها. آلمه أن يرى تلك الخيوط الفضية تتكسر على الجدران وجذوع الأشجار المتيبسة ولا تلامس وجه غاليته التي لم تستطع مراوغة ملك الموت عندما زارها على غير موعد. هكذا هو الموت يأتي على حين غفلة، يتسلل من الكُوى التي لم نحكم سدّها، يعرف المسالك المؤدية إلى الأرواح، ووحده يعرف كيف يتسرب بين الروح والجسد فيرحل بتلك ويُبقى ذاك بلا حراك...ووحده يعرف كيف يُنشب أظافره الحادة في الأرواح. حدث كل شيء بسرعة رهيبة. اختارت أن ترحل، لم تقْوَ على العذاب وتعففت عن التعذيب. قرعت طبول رحيلها، تسلل إليها الموت من بين شقوق جسدها المتداعي وأنشب أظافره في روحها، لم يرحم ضعفها ولا عجزها، لم يرأف بهشاشتها. ولم يترك لها فرصة النجاة من قبضته. كانت ضعيفة وعاجزة، وكان قويا وقاسيا فاستسلمت، وسرعان ما خارت قواها وأذعنت لقدرها. لم يُسعفها لتكتب وصيتها. هكذا رحلت بلا تلويحة وداع.

صباحه هذا مسربل بأردية الحزن ومغسول بدموع احتفظ بها في مقلتيه على مدى سنوات طويلة ولم يحن زمن انهمارها، أو لم يجد الوقت لذرفها. أحس أن شمس ذلك الصباح بزغت على غير عادتها، رآها محاطة بهالة من الأوجاع والآلام واستحال لونها اللجي إلى رمادي داكن زاد في تنغيص صباحه. هبت من الغرب نسمة باردة جافة لفحت وجهه الكئيب الذي لم يحلق شعره منذ ألفى نفسه وحيدا. داهمته الهواجس والوساوس والخيالات فوقف سارحا ببصره محدقا في آفاق بلا حدود. شعر أن الأرض تميد تحت قدميه وأنه يمشي فوق بحار من الشوك، فاستند إلى الجدار المحاذي وأغمض عينيه ليكبح جماح الدموع المنهمرة بغزارة. حين يكون وحيدا يبكي، وحين يشتد كربه يبكي، وحين تداهمه الذكريات يبكي. لكن بكاءه هذه المرة كان بحجم الحزن الساكن بين ثنايا قلبه الذي أدمته الوحدة وأضجره تعاقب الأيام والليالي برتابة قاسية موجعة.
صور جاثمة على صدره تفزعه كلما طفت على السطح، تنفض عنها الغبار بين الفينة والأخرى فتقض مضجعه، تسكب الزيت على هشيم فؤاده لتزداد نيرانه اضطراما. أكثر الصور إيلاما لروحه كانت عندما تسارعت أيدي النساء إلى غاليته تنزع عنها حليّها وزينتها وتمسح الكحل عن أهدابها وتزيل أحمر الشفاه عن شفتيها. هكذا اختارت أن ترحل وهي بأبهى صورة. أرادت أن تستقبلها الملائكة في بهجة. لكن تلك الأيدي، رغم صلافتها وخشونتها، عجزت عن نزع الحناء التي في كفيها. غسّلتها امرأتان وجهزتاها. ما أقسى تلك القلوب الساكنة بين الضلوع وهي تقلب جسدها النقي الناعم بكل ذلك الجفاء والعنف، لتسكب عليه الماء البارد وتدلكه بالصابون دلكا موجعا جارحا، ثم تتسارع لتلفه في قطعة القماش البيضاء وتحكم شده....أنَّى لتلك الأصابع التي لم تحفل يوما بالحناء ولا عرفت نعومة الأصباغ وليونة الكريمات أن تكون لينة وعذبة الملمس.
قال الإمام إن إكرام الميت دفنه. حملوها سريعا إلى هناك، إلى حيث سترقد رقدتها الأخيرة منتظرة ميعاد نشورها. وستجاور غرباء وغريبات. وبسرعة أتم الإمام الصلاة عليها ولم يُطِل الدعاء، خشي على نفسه من فتنتها. أرعبه ذلك الجسد الممدد أمامه ساكنا هادئا. ثم أنزلوها إلى القبر ووضعوها بين جنباته ورصّفوا اللحود وحثوا فوقها التراب.
وعاد مع من عاد معه إلى بيته. عاد وتركها هناك ليصير جسدها مائدة فاخرة لأسراب للديدان. وعندما حل المساء غادره المعزون وبقي وحيدا تتناهشه المواجع والآلام. وظل على تلك الحال أياما وليالي حاول خلالها أن ينسى أو يتناسى وحدته وألم فراقها، لكنه كلما أخمد فتيل شوق استعر في زاوية أخرى فتيل آخر...كيف يهدأ وغاليته ترقد هناك وحيدة في ظلمة القبر ووحشته. ندم على إعلانه نبأ وفاتها. كم تمنى لو احتفظ بها معه، وكم تمنى لو امتلك براعة الفراعنة في التحنيط. وفكر مرات كثيرة أن يجري نحو القبر وينبشه ويعود بها لتظل بين أحضانه...شعر أنه يدنو كثيرا من الجنون، وأحس أنه يجثو على حافة التيه والضياع أوأن لوثة قد تصيب عقله.
سنوات طويلة من العذاب عاشها وحيدا يوما فيوما، شهرا فشهرا، فصْلًا ففَصَلْاً، سنة فسنة. لم يحتفل فيها بالأعياد المتعاقبة، ولم يلامس جسده ثوب جديد، هجر الأفراح والمنسبات السعيدة. يجفل عندما تلتقط أذناه زغاريد النساء في المواسم والأعراس. ظل مثابرا على حزنه، مكابدا ليحفظ عهدا قطع القدر حبله. أدمن السهر والبكاء حتى جف دمعه. ولم ينسَ.
موحش هذا الصباح كما الدنيا التي لم يعد لها طعم بعد رحيل غاليته. صمم على زيارتها. غادر المنزل غير آبه بلفحات البرد التي تسربت إلى عظامه. مشى بخطوات وئيدة ينوء بحمل سنوات العذاب المتعاقبة. أصوات متداخلة تخترق أذنيه، صياح أطفال يلهثون وراء فرح يبدو كالسراب كلما دنوا منه ابتعد عنهم. ثغاء نعاج تبحث عن كلإٍ في هذه الفلوات المقفرة القاحلة فتظل تجري طوال النهار تجوب الأودية والوهاد وتعود في المساء خماصا إلا مما ندر. نباح كلب يلهث وراء عابر يمضي لشأن، وعواء آخر قد أصابته حجارة طفل مشاكس. نداءات وأهازيج يتردد صداها عبر فجاج الجبل الذي يحرس القرية ويراقبها منذ دهر. شعر أن مساحة الحزن الجارف الذي يعتصر قلبه أكبر من الفضاء الرحب وأرحب.
آلمته الوحدة، وأرهقته محاولات النسيان. فعندما يغدو وحيدا تنبجس من بين شروخ روحه الذكريات، تنزل عليه كالمطارق يرتج لوقعها كيانه كله، مدببة كأسنّة السيوف وحادة كالمِدى فتكشط روحه. هواجس تطل برؤوسها كأفاعٍ التقطت ألسنتها رائحة فريسة قريبة. تحاصره الذكريات وتهاجمه في كل وقت وحين تنغص عليه متعة لحظات فرح مسروقة بين حزن وحزن.
تتنازعه رغبات متضادة تتصارع في ذاته فتؤرقها وتزيد من حدة توتره.
يرغب في زيارتها ولا يرغب. يريد أن يعود أدراجه ويأوي إلى غرفته ويستلقي مجترا الذكريات، ويقلِّب بعضها عله يعثر بينها على يبهجه ولو للحظات.
شعر منذ اللحظة الأولى التي أنزلوها فيها إلى مثواها الأخير بغيرة قاتلة نحو تلك الحفرة المظلمة التي فتحت أحضانها بلا حياء لغاليته واحتضنتها. ودَّ لو يدعو فيُستجاب له. لو دنا منه أحدهم ساعتها لأصغى لوجيب قلبه بين ضلوعه ولرأى لهبا يتصاعد يضطرم في فؤاده
عندما لاح له القبر من بعيد رآها، أو خيِّل إليه أنه رآها، واقفة تنظر إليه وشعرها الخرنوبي الطويل يتموج مع الريح، تلوِّح له بيدها المخضبتين بالحناء. هاله مرآها ووقف مذهولا غير مصدق. حث الخطى، ثم جرى نحوها فاتحا ذراعيه لاحتضانها لكن طيفها سرعان ما تلاشى بين خيوط أشعة الشمس. فظل يدور حوله ويداه ضارعتان متوسلتان تنطبقان وتنفتحان وعيناه تدوران في محجريهما ولا تكفان عن ذرف الدموع حتى تخضلت لحيته. وتهاوى جسده محتضنا القبر وساكنته.

 

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

كتابة جميلة، أوصاف غاية في الروعة ، سرد مثير ممعن موزون..اثار فيا فضول ان اعرف مصدر غير و صاحبه فعرفت و أثار فيا فضول أن أعرف من غاليته فتكهنت بأمه فأخته فإبنته فحبيبته و لكن ضلّ فضولي عطشان لم يسقى...حفظ الله قلمك دكتور

نجاح ناصري
لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟