هموم نسائية 2 - أمينة شرادي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

شعرت بالخجل
شعرت بالخجل وهي تدخل الشركة متأخرة مرة أخرى. كثرت حججها، حتى أصبحت مهددة بالتوقف عن العمل. تكون آخر الملتحقين بالعمل، وأول المغادرين له. إنها زينب. لها طفل صغير، فهي التي تتحمل مسؤولية اصطحابه إلى الروضة والعودة به منها. وغالبا ما تضطر إلى إحضاره إلى مقر عملها لعدم وجود من يرعاه.
قلت لها يوما: "لماذا لا تتركينه في البيت مع أبيه؟"
ابتسمت بشكل آلي وقالت لي بصوت خافت: "أنت لا تعرفه. زوجي شديد القسوة، ولا يتحمل رعاية طفل في هذا السن."
لم أفهم كيف تبرر سلوكه. قلت لها وهي منهمكة في مراجعة بعض الأوراق التي تراكمت فوق مكتبها: "زوجك لديه الوقت الكافي ليأخذه إلى الروضة ويحضره، خصوصا أنه تاجر يتحكم في وقته."
ابتسمت من جديد بكل لطف وقالت لي: "لقد حاولت معه، وفي كل مرة يقول لي: الطفل مهمتك أنت، تصرفي، أنا غير مسؤول."
وأضافت، كأنها كانت تنتظر الفرصة لكي تحكي: "خناقات يومية حول هذا الموضوع. هو عارف أنني مهددة بالطرد من العمل، ومع ذلك مصمم على رأيه."
اقتربت منها وقلت لها بكل هدوء: "اسمعيني، بما أنك تجدين دائما الحلول، ولو على حساب عملك، فهو لن يهتم. يجب عليك تغيير سلوكك تجاهه."
أصابها الهلع، كأنها سمعت خبرا غير مفرح. حاولت تهدئتها، وشرحت لها أنها فقط يجب أن تحمله مسؤوليته، وألا تستسلم.
ابتسمت، كأنها وجدت حلا لعملية معقدة، واتجهت بنظراتها صوب نافذة مكتبها، ثم قالت لي بكل ثقة: "كلامك عين الصواب. لقد تنازلت كثيرا، وحان الوقت ليتغير هذا الوضع."
كانت عيناها تحملان شعلة من التحدي والرغبة في التغيير. سلمت علي وخرجت خروج المنتصرين، رغم أنها كانت في بداية طريق جديد.
وتوالت الأيام، والتقيتها يوما، وكانت مبتهجة ومقبلة على العمل بحماس كبير. سألتها: "هل هناك جديد؟"
أجابتني بإشارة من يدها تحمل بشائر النصر.

مكياج العقل
كانت سيدة أنيقة، تهتم كثيرا بلباسها ومكياجها. كل خطوة عندها محسوبة ومدققة. لا يمكن أن ترتدي أي فستان دون أن تدقق في الألوان، وما هي الموضة هذه السنة. تطيل النظر إلى المرآة حتى تنسى أن تتناول فطورها. هي هكذا دائما.
قالت يوما لإحدى صديقاتها: "إذا خرجت من دون مكياج، ينتابني شعور بأنني عارية."
كان يسيطر عليها إحساس غريب كلما فكرت في الخروج من دون مكياج، أو من دون اللباس المناسب الغالي الثمن.
سألتها يوما صديقتها: "إنك تبالغين في مكياجك، ماذا سيحصل لو خففت منه؟"
ثارت ثائرتها وقالت لها: "لا أستطيع."
توالت السنين، وهي في صراع مع الزمن والمكياج واللباس. روتين يومي يبدأ بالمرآة وينتهي بالمرآة.
كانت يوما في لقاء عمل، وتفاجأت بأن التي تديره هي صديقتها التي كانت تحاول أن تشوش على أسلوب حياتها.
انتهى اللقاء، وهي صامتة، تائهة في أفكارها.
باغتتها صديقتها قائلة: "أهلا بك، ما رأيك؟"
لم تفهم كيف مر كل هذا الوقت وهي في مكانها، بينما أصبحت صديقتها مسؤولة عن قسم بأكمله في الشركة، مع أنها كانت من الأوائل الذين التحقوا بالعمل فيها.
سألتها بصوت متردد وخجول: "كيف ومتى حصلت على هذه المسؤولية الجديدة؟"
اقتربت منها أكثر وقالت لها: "كنت أبحث عن مكياج آخر."

زواج غلط
تنتمي فاطمة إلى أسرة فقيرة، تتكون من ستة أفراد. الأب مريض لا يستطيع العمل، بترت يده يوما عندما كان يشتغل بإحدى الشركات، واضطرت الأم إلى العمل في البيوت.
بيت جد صغير في إحدى الأحياء الشعبية. لا نوافذ فيه، ولا نور يدخل إليه حتى يعيد إليه بهجة الحياة. يظل باب البيت مفتوحا طوال اليوم، حتى تزوره الشمس والرياح وتنظفه من بقايا النوم.
الحياة عند عائلة فاطمة صعبة وشاقة، ولا تعاش بسهولة.
في يوم غائم، لا شمس فيه ولا مطر، غيوم ورياح تدق طبولها بقوة، كأنها تعلن حالة حرب على الفقراء، زارهم رجل يطلب الزواج من فاطمة.
كانت فرحة كبيرة استوطنت البيت الغائم، وحمدوا الله على هذه الفسحة التي أعادت إليهم نور الحياة، ولو قليلا.
تزوجت فاطمة، ورحلت إلى بيت آخر تسكنه هي وزوجها. مرت الأيام تتسارع كشلال في أعالي الجبال، وأنجبت فاطمة ولدا وبنتا. وكانت تساعد في مصروف البيت بالعمل في البيوت، مثل أمها. كأنه قدر الفقراء أن يعيدوا إنتاج وسطهم الاجتماعي.
جاءت يوما تبكي حالها لأمها، وتصرخ وتطلب حلا لحياتها البئيسة.
سألتها عن السبب.
قالت فاطمة وهي تصرخ: "زوجي رجل أحمق. يحتاج إلى طبيب."
حاولت الأم أن تهدئ من روعها، وأن تشرح لها بأن كل الرجال حمقى.
وأضافت: "انظري إلى أبيك، هل تعتقدين أنه رجل سوي؟ إنه مجنون، ومع ذلك أنا صبرت ولم أعد أهتم له."
انتفضت فاطمة وصرخت بكل قوتها الكامنة في جسدها وروحها، وقالت: "إنه ليس مثل أبي. إنه مجنون. صرت أخاف منه. لا أستطيع العيش معه."
تدخل والدها ليضع حدا لهذه الوضعية الصعبة والمؤلمة في الوقت نفسه، لأنه يعلم أنه لا مكان لها ولا لولديها في البيت، وأن ذلك الركن الصغير الذي كانت تحتله سابقا قد صار من نصيب أختها الصغرى.
قال لها بصوت صارم: "ممنوع الطلاق يا فاطمة. يجب عليك أن تساعدي زوجك حتى يعود إلى حالته الطبيعية."
ثارت ثائرتها، وانزوت في ذلك الركن الصغير من الغرفة الوحيدة في البيت، وقالت لهما بصوت حزين: "إذا رجعت إلى البيت، سيقتلني."
استوطن المكان صمت ثقيل، كصمت الكهوف.
قامت فاطمة تدك الأرض بقدميها دكا، وتلعن حياتها التي توقفت عند بيت صغير بلا نوافذ.
خرجت، لكنها لم تعد.

 

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟