زمن الأقنعة – قصة: الشرقي لبريز

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

كنتُ أمشي بينهم كقصيدةٍ مؤجلة، كحلمٍ لم يجد بعد لغته الكاملة، بوجهٍ لا يعرف الأقنعة، وقلبٍ يرفض أن يتعلّم فنّ الاختباء. في عالمٍ كانت الوجوه فيه تتبدّل كما تتبدّل الفصول، بقيتُ ثابتًا كنجمةٍ تُقاوم الغيم، أؤمن أن الصدق ليس خيارًا بل هو قدر، وأن النقاء ليس ضعفًا بل طريقةٌ أخرى للوجود. كنتُ أرى الأشياء ببساطتها الأولى، كما تُرى السماء بعين طفل، دون أن أُدرك أن بعض الزرقة مجرّد وهمٍ يختبئ خلفه الفراغ.

لم أعرف كيف أُلوّن مشاعري بما لا أشعر، ولا كيف أقول ما لا ينبع من داخلي. كنتُ أعيش كما أنا، دون حواجز، كنافذةٍ مفتوحةٍ على كل الرياح، أستقبل الوجوه كما لو كانت حقائق، وأصغي للكلمات كما لو كانت اعترافاتٍ صادقة. كان قلبي يسبقني دائمًا، يمدّ يده قبل عقلي، ويمنح قبل أن يسأل، كأنه نهرٌ لا يعرف سوى الجريان، حتى في أرضٍ لا تشرب.

كنتُ أهب ثقتي كما تُهدي السماء مطرها، بلا تمييز، بلا حذر، معتقدًا أن كل أرضٍ ستزهر إن لامستها قطرة صدق. كنتُ أرى في العيون ضوءًا يشبه ضوئي، وأظن أن الكلمات الدافئة جذورٌ تضرب في عمق الإخلاص. لم يخطر ببالي أن بعض الوجوه تُصاغ بعناية، وأن بعض المشاعر تُرتَّب كما تُرتَّب الأدوار على خشبة المسرح. كنتُ أتعامل مع الجميع كما أتعامل مع نفسي، وكأن القلوب نسخةٌ واحدة، وكأن العالم صفحةٌ لا تعرف سوى الحبر الصافي.

فتحتُ روحي كحديقةٍ بلا أسوار، يدخلها العابرون ويقطفون منها ما يشاؤون من طمأنينةٍ وأمل، دون أن أسأل: من يستحق؟ ومن سيمكث؟ كنتُ أؤمن أن العطاء لا يحتاج إلى شروط، وأن الحبّ لا يُوزن بميزان، لكنني لم أكن أرى أن الإفراط في النقاء قد يُشبه أحيانًا السذاجة حين يُمنح لمن لا يعرف قيمته.

وحين جاءت لحظة الاحتياج، لحظةٌ ثقيلة كغيمةٍ مثقلة بالمطر، بحثتُ عمّن يسندني، عمّن يردّ إليّ بعض ما منحت. التفتُّ حولي، لا بحثًا عن الكثير، بل عن ظلٍّ واحدٍ فقط، عن صوتٍ يقول إنني لستُ وحدي. لكن الصمت كان أبلغ من كل الإجابات، وكان الفراغ أوسع من كل الوعود التي سمعتها يومًا.

رأيتُ الأيدي التي امتدّت نحوي سابقًا تتراجع ببرود، كأنها لم تعرفني يومًا، وسمعتُ الأصوات التي كانت تملأ أيامي تختفي كأنها لم تكن. في تلك اللحظة، لم أشعر فقط بخذلان الآخرين، بل بانكسار صورةٍ كنتُ أرسمها للعالم داخلي. لم تسقط الأقنعة أمامي فجأة، بل انطفأ الضوء الذي كنتُ أراه فيها، فاكتشفتُ أنها لم تكن يومًا وجوهًا، بل انعكاساتٍ خادعة لما أردتُ أنا أن أصدّقه.

جلستُ مع نفسي كما يجلس غريبٌ مع غريب، أستعيد ما مضى كمن يُقلّب صفحات كتابٍ يعرف نهايته الآن. لم يكن الألم في الخسارة، بل في الإدراك؛ إدراك أنني كنتُ أرى العالم بقلبٍ واحد، بينما كان العالم يُدار بقلوبٍ كثيرة، لا تشبهني. شعرتُ أنني بالغتُ في الصفاء حتى نسيتُ أن أحميه، وأنني منحتُ نفسي للآخرين دون أن أترك لي منها ما يكفي.

وفي عمق ذلك الصمت، تسرّبت إليّ حقيقةٌ هادئة، لكنها حاسمة: لم يكن خطئي أنني كنتُ نقيًّا، بل أنني ظننتُ أن النقاء قانونٌ عام، لا استثناء. أدركتُ أن الصدق، رغم جماله، ليس اللغة المشتركة بين الجميع، وأن القلب، مهما كان واسعًا، يحتاج إلى حدودٍ تحميه من الامتداد في الفراغ.

لم أتغيّر بمعنى أنني لم أتعلّم التزييف، ولم أرتدِ قناعًا لأشبههم، لكنني تعلّمتُ كيف أكون نفسي دون أن أكون مكشوفًا بالكامل. صرتُ أحتفظ ببعض الضوء داخلي، لا أقدّمه إلا لمن يعرف قيمته، وأصغي أكثر مما أتكلم، وأرى أكثر مما أُظهر. لم يعد قلبي بابًا مفتوحًا للجميع، بل صار عتبةً لا يعبرها إلا من يستحق العبور.

أمشي الآن كما كنتُ… بوجهٍ واحدٍ لا يعرف الانقسام، لكن بعينين أكثر وعيًا، تقرآن ما وراء الوجوه، وتفهمان أن الصمت أحيانًا أصدق من الكلام. أدركتُ أن النقاء ليس عبئًا، بل نعمةٌ تحتاج إلى حراسة، وأن الروح الصافية، إن لم تُحط نفسها ببعض الحذر، قد تضيع في زحام لا يُجيد إلا الأخذ.

وهكذا، بقيتُ أنا… لكنني لم أعد كما كنتُ.

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟