رحلة صيد، رحلة ممتعة - د. الحسين لحفاوي

شكل العرض
  • أصغر صغير متوسط كبير أكبر
  • نسخ كوفي مدى عارف مرزا

فتحت عيني عندما سمعت صوت خالي الأجش، يناديني ويدعوني إلى النهوض، تردد صوته في أرجاء بيتنا المتواضع "الرجال لا ينامون بعد شروق الشمس". وجدت أمي واقفة بجانب فراشي فرنوت إليها بعينين أثقلهما النعاس، كان باب الغرفة مواربا فتبعثرت نظراتي بين مباني القرية ذات الألوان الكالحة، واخترقتْ الأنهج الممتدة والأزقة الضيقة،
رجل تصميم خالي، حين أنظر إليه وأنا أقف وراءه لا أكاد أرى كتفيه، فهو كالطود الشامخ الذي لا ينحني، يداه الخشنتان المعروقتان وكفاهما المتشققتان اللتان تنتهيان بأصابع طويلة توحي أنه من سلالة العماليق بل هو العملاق الوحيد في القرية. وعندما يمشي بهامته المديدة تقرع قدماه الأرض قرعا عنيفا، ومع ذلك فهو هادئ الطبع فلا صلافة فيه ولا غلظة. لا يتكلم كثيرا، وإذا نطق لعلع صوته ليملأ الأرجاء كأنْ لا صوت يعلو فوق صوته. قلبه مخزن أسرار وخفايا، لا يبوح بها أبدا، أحكم إغلاق ذلك الصندوق وألقى مفاتيحه في أعماق البحار حتى لا يصل إليه أمهر البحارة. ولا يشكو ولا يتذمر. ظل يتمنى رؤية ابن له من صلبه يدرج أمام عينيه، لكنه حُرم منه رغم أنه تزوج مرتين، طلق الأولى بعد عقد من الزمن، ثم تزوج الأخرى بعد مدة وجيزة لتعينه على همِّ الدنيا مثلما كان يردد دوما. واستعاض بي، أنا ابن أخته، عن الأبناء الذين رسم صورهم في مخيلته، لكن تلك الصور ظلت جامدة لم يُكتب لها أن تتجسد أرواحا وأبدانا.
عندما غادرنا المنزل تسمرت أمي في مكانها وظلّت تلوِّح لنا بيمناها ، وبيسراها كانت تكفكف دمعة انحدرت على خدها. حاولتْ أن تظل رانية إلينا إلى آخر لحظة، كأنها تريد لصورتينا أن تنطبعا في ذاكرتها. عادت أدراجها ودلفت المنزل ولسانها يلهج بما تحفظ من دعوات صالحات. وعندما غبت وخالي بين منازل قريتنا المتناثرة أحست أن فؤادها ارتج وأن جزءا منه قد انسلخ عنها ورحل معنا. وتذكرت الحوار القصير الذي دار بينهما قبل مغادرتنا:
- ما زال صغيرا عن الخروج في رحلة صيد.
لم يلتفت إليها خالي ولم يردّ عليها بكلمة.
- سيتعب وسيمرض وسيجوع وسيعطش.
حدجها بنظرة ثاقبة اهتزت لها روحها، لكنها أضافت:

- سيدمي المشي قدميه.
لكنه هذه المرة ابتسم في وجهها ثم فتح ذراعيه العريضتين واحتضنها بكل ما في الكون من حنان، ثم طبع فوق جبينها قبلة. فصمتت ولم تضف كلمة.
كنت قد استيقظت وغادرت فراشي، فأنا أعرف أن خالي إذا قرر أمرا فلن يتراجع. أدخلت قدميّ في فردتي حذائي الرياضي، ولبست بنطلونا وقميصا أوصاني بأن يكونا أخضرين أو أقرب إلى لون التراب، لغاية لم أكن أعلمها. وخرجتُ عليهما فلفّ رأسي بقطعة طويلة من القماش طلب من والدتي إحضارها. ثم سبقني.
انطلقت أعدو على أثره وما إن دنوت منه حتى هزتني رائحة عطره المميزة، تلك الرائحة التي تتسرب إلى أنفي وتغمر وجهي كلما فتحت دولاب ملابسه لأجلب له قميصا أو جبة أو برنسا.
سرت خلفه متعثرا في خوفي وارتباكي وفرحي. كانت خطواته متباعدة وكنت أجري وراءه، فألحق به وحاذيه أحيانا وأتباطأ فيسبقني أحيانا أخرى. وعندما سمع صوت لهاثي أبطأ السير فشعرت ببعض الفرح يعمر قلبي.
بدا لي خالي، وهو يتأبط بندقية الصيد ويرتدي بدلة خاصة دأب على ارتدائها أثناء كل خروج للصيد، مثل جندي يتقدم بخطى ثابتة نحو ساحة معركة وميدان حرب. ويلف خصره بحزام الخراطيش حيث رتب الذخيرة. وما إن تجاوزنا طابية التين الشوكي التي تحاصر القرية من الناحية الشمالية حتى حشا الماسورة وأمسك بندقيته في استعداد لإطلاق النار. عيناه تتنقلان من مكان إلى آخر تلتقطان أدنى حركة، وأذناه متوثبتان لاقتناص كل صوت. بدا تركيزه شديدا وانتباهه أشد. لكن لا فرائس هناك.
حثني خالي على السير. وكان كلب الصيد الذي أتقن تربيته ودربه على القيام بمثل هذه المهمات يدنو منا ويبتعد وأنفه لا يرتفع فوق التراب يتعقب أثار الحيوانات البرية. واحتضنتنا البرية الفسيحة الممتدة. سرنا مسافة غير طويلة، فارتفعت الشمس وبدأت أشعتها تنصب على رأسي، وبدأ جسمي يتعرق. كان خالي يتكلم بصوت عال، يروي لي الحكايات ويغني أحيانا ويصدر بفمه أصواتا مختلفة. يفعل ذلك ليخرج الفرائس من مخابئها. وفجأة قفز من مسافة غير بعيدة أرنب بني وانطلق يعدو كالسهم، وبخفة جنية سحب خالي البندقية وصوّب ثم أطلق رصاصة كانت كافية ليرتفع الأرنب عاليا ثم يهوي ويتدحرج على الأرض. أسرعنا نحوه وبسرعة سحب خالي السكين المعلقة في نطاقه وذبحه ووقف مزهوا ينظر إلى هذا الحيوان الوديع وهو يرتعد، ثم نزع جلده وأخرج أمعاءه ورماها إلى الكلب. فرحت كثيرا لأن خالي توفق في إصابة أول فريسة مرقت أمامه. كان خوفي من أن يعتبرني منحوسا. شعرت أنه سبر ما جال في خاطري فنظر إليّ مبتسما وأمرني بجمع بعض الحطب، ففعلت.
فاحت رائحة الشواء في أرجاء تلك البرية الفسيحة. غمرتني سعادة لا توصف وأنا ألتهم ذلك اللحم الطري خلال ذلك الصباح الصيفي الندي. ثم واصلنا رحلتنا. طارت أمامنا حجلة لم يحاول خالي إطلاق النار عليها، وقال لابد أنها تحضن بيضها، وبحثنا عن عشها فعثرنا عليه دون عناء، ورأينا بيضها، فتركنا العش دون أن نلمسه ونهر خالي الكلب الذي دنا من البيض ثم واصلنا السير.
كان خالي خبيرا بأوضاع الحيوانات وحالاتها. صوّب بندقيته مرات كثيرة لكنه كان في كل مرة يتراجع قبل أن يسحب الزناد. هذه حبلى، وتلك مرضعة، وثالثة هزيلة، ورابعة نائمة ولا يريد إزعاجها...وهكذا أمضينا كل ذلك الصباح ونحن نجوس خلال تلك البراري الفسيحة حيث النباتات البرية المعمرة. وعندما انتصف النهار أو كاد بلغنا بطن الوادي وقد بلغ بي التعب مبلغا شديدا. كان واديا مهيبا موحشا، تُحدث منعطفاته الكثيرة وكهوفه العالية ومهاويه السحيقة في النفس رهبة. بعض تجاويفه المظلمة اتخذتها بعض الحيوانات مآوي وأوجارا لها. كان النهر الذي يتوسط الوادي ينساب في هدوء وسكينة، تخترق مياهه الرقراقة الأشجار العملاقة الجاثمة على جانبيه. يتسع المجرى حينا ويضيق حينا آخر. أحدثت الحيوانات مسالك لها فوق نباتات الديس والسمار والأسل.
عندما بلغنا النهر كان الجراب الذي يحمله خالي فوق كتفه الأيمن عامرا بأرنبين بريين وطائريْ حجل، تعاونّا، خالي وأنا، على تنظيفهما في ماء النهر ثم نظر إليّ وقال بصوته الخشن الأجش بعد أن تخير مكانا هيأه لنا:
- سأقيم مأدبة على شرفك في هذا الوادي.
ثم قهقه فرددت تجاويف الكهوف قهقهته.
وأقام فعلا مأدبة فاخرة. ثم أخرج من جرابه كيسا بلاستيكيا حوى معدات طبخ الشاي. وضع البراد على حافة الموقد بعد أن سحب له كثيرا من الجمر. شرب كأسا، ثم استلقى على ظهره محتضنا بندقيته كما تحتضن الأم وليدها، وبقيت أنا يقظا كأني أحرسه.
وفجأة ارتج الوادي بأَمِيمِ الأيائل ووقع حوافرها. كان قطيعا يتكون من أكثر من عشرة بين ظباء وأيلات وخُشُفٍ واتجهتْ جميعها مباشرة نحو مجرى النهر. عشرة خطوم تكرع في مجرى النهر. عشرون عينا مبثوثة في الماء. شغلها العطش عن رؤيتنا. لكزت خالي بهدوء، وما إن فتح عينيه حيى أشرت بإصبعي نحو القطيع، وبخفة قط استوى جالسا، وبهدوء سحب بندقيته وزوّد ماسورتها بطلقتين. اتخذ وضعية الارتكاز ضمانا لدقة التصويب، وظل برهة يراقب القطيع. وأخيرا اتخذ القرار. انطلقت الرصاصة الأولى وتلتها الثانية. دوّى صوت الطلقتين فملأ الأرجاء واخترق الفجوات والكهوف، فطارت العصافير من فوق أغصان الأشجار، وارتفع صفير أفراد القطيع وسمعت ما يشبه النباح. تسمرت في مكاني أراقب ما يجري. كان المشهد رائعا ومروّعا. انتفض الظبي وارتفع عاليا عندما أصابته الطلقة الأولى وهمّ بالفرار، لكن الطلقة الثانية أصابت منه مقتلا فتهاوى جسمه الضخم على حافة الماء. كانت الفريسة ظبيا بالغا. تجنب خالي إصابة الإناث والخُشُمِ.
اتجهنا نحوه وعبرنا المجرى المائي. صار لون الماء أحمر قانيا. شق خالي بطن الفريسة وأخرج أمعاءها ورماها لتكون طعاما لذئاب الليل وبنات آوى، ثم ألقى صيده الثمين فوق كتفه، وانطلقنا في رحلة عودتنا.

 

تعليقات (0)

لاتوجد تعليقات لهذا الموضوع، كن أول من يعلق.

التعليق على الموضوع

  1. التعليق على الموضوع.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location
اكتب النص المعروض في الصورة أدناه. ليس واضحا؟