تتميز قصص " حديث التفاصيل الصغيرة " للقاص المغربي محي الدين الوكيلي بنصوص تنتمي لجنس القصة القصيرة، وتستجيب لشروطها وعناصرها الأساسية ؛ من شخوص كما هو الحال في جل القصص ابتداء من القصة الأولى " مسار الحرية الشائك " حيث يتمحور الحدث حول صاحبة " الحايك "، وشخصية المختار، وفي القصة الثانية " حب قاس " تحضر البتول، وابنها محمد، وزوجها المقاوم الشهيد، والعربي في قصة " شيء بسيط يصنع الفرق "، وسعيد في قصة " مأساة سعيد وشجرة الزيتون "... إلى غيرها من شخصيات ك " زدي أحمد " بائع الإسفنج، والجنرال، ونادل المقهى، وروادها، والسي عبد الله الخياط ،والسيد مارتان وزوجته، والمدني النجار، والسي عبد الله الخياط، وقاسم بائع الصوصيص ومتعدد المهام من حداد وسباك وميكانيكي وكهربائي... والأم حليمة، وعمي الطاهر، وصالح. وأمكنة موزعة بين القرى، والريف، والجبال، وذكر بعض الأماكن في حواضر ك الرباط : " متجولا بين مقهى باليما والمكتبة الوطنية، ثم من سويقة باب الأحد إلى ساحة الحمام. " ص50، ومحطات بعض المدن : " أما مسرح الأحداث فتتساوى فيه محطات سيدي سليمان، القنيطرة، مكناس، الخميسات، سوق الأربعاء، بلقصيري، وسيدي قاسم." ص 78، و زرهون/ الزاوية، ومدينة تطوان، وطنجة، ومدينة شارتر الفرنسية، بالإضافة إلى الحوار الذي يدور بين الشخصيات لبناء الحدث وبلورته وتطويره اعتمادا الاسترجاع والتذكر أحيانا، والوصف كعنصر مرتبط بالشخصيات في مثل وصف النادل : " كان شابا في الثامنة عشرة من عمره، أشقر، متوسط الطول، بدا أكثر أناقة ووسامة بفعل زيه. " ص88، وأحداث مثل ما وقع لصاحبة " الحايك " عندما سقطت بعد أن زلت قدمها على مرأى من رجال القرية إثر عرقلة " الحايك " لخطواتها في محاولة منها لتفادي حجر كبير : " شعرت أنها لم تعد تتحكم في ساقيها، وأن الحايك أصبح معرقلا لخطواتها. فجأة، وبينما تحاول أن تتفادى حجرا كبيرا، انزلقت إحدى قدميها وسقطت أرضا أمام جمع رجال القرية " ص 13، وما صدر عنها من ردة فعل إزاء ذلك، وإزاء رجال القرية الذين تابعوا المشهد، وعاينوا الحدث : " صافي هذا ما تريدون ؟ أليس لكم شغل، فقد ضاقت الأرض من جلوسكم. " ص 13، وبشكل لا يخلو من انفعال وغيظ وتذمر. وحدث نهوض رجال القرية للذود عن حرمة قريتهم ،وحمايتها من تربص العدو بها، والاستعداد لمهاجمتها، بعد أن كانوا منغمسين في جلسة " الكيف "، إلا أن محمد ابن المقاوم الشهيد تخلف عن الالتحاق بهم، ومشاركتهم في الدفاع عن قريتهم مما أثار غضب والدته فعزفت عن منحه حبها وودها حين تأكدت من افتقاره لأي حس أو نزعة تجعله لا يتردد ولا يتوانى في الدفاع عن بلدته والتضحية من أجلها أسوة بوالده وبباقي رجال وشباب القرية الأشاوس مخاطبة إياه بقولها : " الكرامة هي التي لا تملكها ،كيف لي أن أمنحك إياها ؟ / منذ ذلك اليوم، تركت البتول محمدا، وتركت وراءها حبه الذي كان يثقل كاهلها. " ص16. ويبرز كذلك حدث علاقة سعيد بشجرة الزيتون التي غدت تحمل اسمه " شجرة سعيد " لكثرة تردده عليها، وقضاء وقت طويل تحت أغصانها، إلى أن فوجئ بإحاطتها بسياج من الأشواك والأسلاك التي طوق بها الجنرال الشجرة، وما آلت إليه حالة سعيد، حين تسلل إلى الشجرة، من ذعر وهلع من خلال طلقات الرصاص، وكلب الجنرال الذي طارده، إلى اقتلاع الشجرة بمعول المختار حارس الجنرال، ليرخي حادث مصير شجرة الزيتون بظلاله على نفسيته، وكذا على نفوس أهالي القرية : " لم يعد لشجرة الزيتون وجود بعد ذلك... كانت مأساة سعيد وشجرة الزيتون بداية لفصل جديد في حياة القرية، فصل خيمت عليه مشاعر القهر والحسرة..."ص27. وأيضا حدث قتل الكلب " كيكي " على يد صاحبه الحاج، وتعويضه بكلب جديد " ريكس " رغم ما أبداه ودأب عليه " كيكي " من إخلاص ووفاء لسيده في قصة " القانع ". وما كان يحيط بالحصول على جواز السفر الأخضر من صعوبات في مرحلة من مراحل البلاد حسب ما ورد في قصة " الباسبور الأخضر "، وحدث الهجرة غير الشرعية في ظروف محفوفة بالمخاطر تتمثل في الاحتماء بركن خفي من إحدى الشاحنات الدولية، وما آلت إليه المحاولة من فشل بسبب عدم إقلاع الشاحنة لما أصاب سائقها من مغص : " لم يطل الوقت حتى عرفت السبب : أحد السائقين أصابه مغص حاد في تلك الليلة، فتخلف عن الرحلة. " ص130، لنخلص إلى أن لكل قصة حدث وحادث إلا أننا اقتصرنا على نماذج من بعضها.
وقد تضمنت قصص المجموعة، إلى جانب امتثالها وانضباطها لعناصر القصة القصيرة المعروفة عناصر أخرى أضفت على متنها السردي تنويعا درأ عنها مغبة السقوط في التقريرية والنمطية ؛ كعنصر التناقض والتضاد كما في عنوان نص " حديت الصمت " ص17، مما يقود لطرح تساؤلات لا تخلو من غرابة : كيف يغدو للحديث صمت؟ ما طبيعة هذا الصمت، هل هو ناطق، وبأي كيفية أو طريقة ؟ وهو ما تكرر، بشكل آخر في صيغة أصبح معها الصمت نوعا من أنواع الحكي : " أن الصمت نفسه، حين يُكتب بصدق، يُصبح شكلا من أشكال الحكي. " ص18، وفي عنوان أحد نصوص الأضمومة " برد الأحد ودفء الصداقة " ص31، فيما يمثله برد ودفء من تتقابل وتضاد في ارتباطهما بزمن ( الأحد )، وقيمة ( الصداقة ). وجانب التمويه كما وقع في حافلة نقل المسافرين من خلال طريقة خداع وتمويه يلجأ إليها المتسولون والشحاذون داخل هذه الحافلات باصطناع عاهات سرعان ما يتخلصون منها عند مغادرتهم لها : " أشخاص بعاهات مختلفة، تختفي بقدرة قادر بمجرد نزولهم من سلالم الحافلة. " ص79، وموضوعات مثل الرشوة في قصة " صورة غير عادية من يوم عادي " حين رفض العربي تسلم الرشوة، وفوجئ بقبول مديره في المؤسسة لذلك، الشيء الذي غيّر نظرته لمديره، وغيّر من سلوكه المعتاد في ولوج المقهى مثلا : "منذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يرى العربي في المقهى المعتاد. " ص78، وهي نهاية تظل مفتوحة على العديد من الأسئلة والتأويلات : هل سيتوقف عن العمل بالإدارة التي يشتغل بها بعد أن تأكد مما ينخرها من فساد ،وما ينتشر في ردهاتها ومكاتبها من تلاعب ؟ أم أنه سيحدد دائرة علاقاته ببقية الموظفين وفي مقدمتهم المدير ؟ وما هي الآفاق التي رسمها لطريقة عمله بعد أن وقف على قبول هذا المدير للرشوة ؟ ثم موضوع الأوضاع المزرية التي تتخبط في حمأتها فئة من موظفي الدولة، وخصوصا رجال التعليم الذين يقبلون بقضاء العطلة وسط حجرات المدرسة : " عرفت لاحقا أنها تعمل بالتدريس، وأنها انتهزت فرصة التخييم في أقسام المدرسة لتخفيف أعباء الأكرية التي باتت مرتفعة جدا. " ص85، دون المطالبة بتوفير ظروف أفضل لقضاء العطلة أسوة بقطاعات تخصص لموظفيها إقامات مناسبة تؤويهم في أيام عطلهم، وظروف مماثلة لحافلات تقل المسافرين، وما تعرفه من اكتظاظ ممثلا في المتجهة منها نحو الشمال : " حيث كانت الحافلات ممتلئة حتى الاختناق. الركاب في المقاعد، وبين المقاعد، والسلع في الرفوف وتحت المقاعد... " ص80، نفس الحالة بالنسبة للقطار الذي كان السفر فيه يفتقر لأدنى شروط الراحة، وفي المقصورة الرابعة بالخصوص، وما كانت تعرفه من حالة البؤس إلى أن تم التخلي عنها من طرف مكتب السكك الحديدية بعد أن استنفدت كل أنواع التدهور والرداءة : " خصوصا بعد أن تخلى مكتب السكك الحديدية عن الدرجة الرابعة، التي كانت ملاذا لسكان القرى وأحزمة الفقر في المدن. " ص83، في حقبة عانت فيها الفئات المعوزة من ضيق العيش وضنكه في العديد من وسائل الحياة الحيوية و الضرورية ؛ كالسكن، والصحة، والتعليم، والنقل...
وقد اعتمد القاص كذلك طرقا مختلفة في عناوين نصوصه ،مثل الطريقة اللولبية في قصة " الطريق غير ُمؤمّن يا أبي " ص 45، وهي عبارة تكررت في بداية النص وفي نهايته. والتلميح بدل التصريح كما ورد في قوله مُشبّها : " كثلج إفران الذي لم نعد نراه. " ص60، في إشارة إلى سنوات الجفاف المتعاقبة، والتي لم تشهد فيها مدينة إفران تساقطات ثلجية. وأمام ما عرفه طلب مواطن لوثيقة إبراء الذمة من عراقيل وتلكؤ، تذكر صديقه الذي هاجر إلى كندا : " وفي خضم هذا التيه الذي كنت أعيشه، لا أدري لماذا تذكرت صديقي المهدي، الأستاذ الباحث الذي هاجر إلى كندا !" ص68، في إشارة إلى سبب لجوء بعض الأطر والكفاءات بالخصوص، إلى دول غربية بحثا عن حقوق يفتقدونها في بلدهم. ومن ضمن المواضيع التي وردت بين ثنايا الأضمومة جائحة كورونا في قصة " المتاهة "، وما فرضته من قيود حدّت من حرية حركة الأشخاص وتحركاتهم بما أقرته من حجز، وإجراءات وقائية صارمة : " عدت إلى المنزل. الوقت وقت جائحة. الكل في حالة حجز، إلا خيالنا الذي لا يستطيع أحد منعه من السفر بين الأمل والأوهام. " ص74.
أما لغة القصص فقد مالت إلى التنويع، ولو في سياقات قليلة، فتوزعت بين دارجة في قصة " بين مقهى يعرفني، وآخر يتعرف علي : " علاش ما تاخدش يوم راحة يا الطاهر ؟ " ص62، وفي قصة صورة من مقصورة القطار " : " شحال عندك ديال الوليدات ؟ " ص86، وأمازيغية في قوله : " عمي الطاهر أغَرَاسْ " ص121، فأغراس كلمة أمازيغية، والتي من دلالاتها الشائعة الاستقامة والجدية. وعبارات بالفرنسية كما في : " أجابني بفرنسية أنيقة : "Le système est comme ça" ص68. وكلها استعمالات تكسر خطية السرد على مستوى اللغة كأداة تعبيرية، ومُكَوّن سردي.
فقصص " حديث التفاصيل الصغيرة " رغم ما يوحي به من بساطة في تناول الحدث وصياغته فإنها لا تخلو من استخدام أدوات وعناصر سردية غنية من حيث الأبعاد التعبيرية و الدلالية والرمزية تجعلها أكثر ثراء وانفتاحا.
عبد النبي بزاز ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ حديث التفاصيل الصغيرة ( مجموعة قصصية ) محي الدين الوكيلي / مطابع الرباط نت 2025.