ربما أمكن القول اليوم، بعد عقود من تراكم الانتاج الشعري، وتعاقب موجات من التجارب المختلفة، بأنّ الشعر العربي الحديث قد نجح في إبداع قصائد تتحدّى الفناء، وتستحقّ تخليدها منقوشة على جدران الأبديّة. والمقصود هنا بالشعر العربي الحديث، ذلك الشعر الذي انطلق من الوعي بالاختلاف عن التراث، مثلما تجلّى ذلك في شعر المهجريّين أو جماعة الديوان، وصولا إلى قصيدة النثر، ومرورا بجماعة أبولو ثمّ الشعر الحرّ. أي إنّ لدينا مُدَوَّنَةً شعريّة تجاوز عمرها القرن من الزمن وكان لها تأثيرها الكبير وأسماؤها البارزة. بل يمكن أن يمتدّ تعريف الشعر الحديث، استنادا إلى المعيار الزمني، ليشمل الإحيائيين أو الكلاسيكيين الجدد مثل أحمد شوقي أو حافظ إبراهيم أو خليل مطران وغيرهم. فهم حتّى وإن اتُّهموا باتّباع الشعر القديم، فقد استطاع شعرهم أن يصل إلى وجدان القارئ العربي المعاصر. فهناك إذن من شعراء عصرنا من تركت أعماله أثرا لا ينمحي في الذائقة الشعرية لدى أجيال مختلفة وحتّى في الرأي العام، بفضل قصائد تحدّت النسيان، قبل أن يبلغ صداها إلى العالم، وإن بشكل محدود، بواسطة الترجمة أو أعمال المستشرقين.
لقد سعى العرب القدامى إلى تخليد القصائد الاستثنائية من خلال تعليقها على أستار الكعبة، وتلك فكرة قد لا نجد مثيلا لها في العالم. ولعلّ ما يميّز فكرة المعلّقات أنّها كانت تَنْشُدُ تأبيد القصائد الشعرية بوضعها في مكان مقدّس. فالشاعر ليس مجرّد لسان للقبيلة، بل هو الذي يرتقي بالوعي الجمعي إلى سماء الخلود. ويصبح الشعر هنا بالضرورة رؤية للكون تتجاوز الزمان والمكان، ويقترب من الماورائيات أو يشير إليها. إنّ المعلّقات هي ديوان الحبّ والحرب، والحكمة والهَوَى، والبقاء والفناء. وقد لا نجانب الصواب إن قلنا إنّ الشاعر وصل بفضل معلّقته إلى أقصى ما يمكن للإنسان بلوغه، قبل مرتبة النبوّة. فلعلّه كاد أيضا "أن يكون رسولا".
لقد دخلت المعلّقات مجال الخلود في الوجدان العربي باعتبارها نموذجا لا يُضاهى لإتقان الشعر ونقاء اللغة وفرادة الصور والمعاني. وصمدت تلك القصائد أمام الدراسات الحديثة سواء منها الاستشراقيّة أو العربيّة التي حاولت التشكيك في حقيقتها التاريخيّة. وربما غاب عن المشكّكين أنّ المعلّقات قد أفلتت من قيود الزمان والمكان، مثل مارد خرج من قمقمه، ولا سبيل إلى إرجاعه إليه. ولعلّها تستحقّ من أجل ذلك أن يتمّ إدراجها في "سجّل ذاكرة العالم" لدى منظمة اليونسكو، ضمن مبادرة عربيّة مشتركة، حتّى وإن لم تبق من المعلّقات مخطوطات أو نقوش أثريّة. فلا شكّ أنّ المعلّقات باقية خالدة، في الذاكرة العربية، باعتبارها مصدرا لإلهام الأجيال القادمة والبشريّة بأسرها.
غير أنّ الإبداع الشعري العربي قد استفاق منذ عصر النهضة العربيّة على اختلافه مع الأدب القديم، وإن كان وريثا شرعيّا له، وأنتج قصائد باقية تستحقّ الإشادة بها، مثلما فعل أسلافنا بالمعلّقات. صحيح أنّه تمّ الاحتفاء بالشاعر العربي في العصر الحديث، بتنصيب "أمير الشعراء"، على سبيل المثال، كما حصل مع أحمد شوقي، في استنساخ حميد لتجربة غربيّة، لم تعمّر طويلا. وهناك أيضا جوائز عديدة مخصّصة للشعر وتكريمات للشعراء ومبادرات "بيت الشعر" في أكثر من مدينة عربية. بل إنّ هناك من أشار إلى وجود "معلّقات" حديثة ولكن على سبيل المجاز. غير أنّ تخليد النصّ الشعري الحديث أي القصيدة، بشكل ملموس، مثلما كان يحدث في الماضي، ربما لا يقلّ أهميّة عن تمجيد قائلها.
ولو كان لنا أن نقوم بإحياء فكرة المعلّقات بأسلوب حديث، فلربما وجدت بعض القصائد طريقها إلى الاختيار، لتُعلَّق في الساحات العامة أو في أماكن يتمّ اختيارها بكلّ الحواضر العربية الراغبة في ذلك، أو تُقرأ في المهرجانات وتُنشَر في كتب أو مواقع أو فيديوهات على شبكة الانترنت. فوجدان المواطن العربي لا يخلو من أشعار عربية حديثة، تنافس القصائد القديمة، إن لم يكن من حيث القيمة، فمن جهة قدرتها على التأثير في القارئ. ولذا فقد يكون من المناسب أن يتمّ اختيار مجموعة من القصائد لتكون بمثابة المعلّقات الحديثة.
ولعلّ المقياس الأفضل ينبغي أن يقوم على الجمع بين الإضافة إلى المدوّنة الشعرية العربية وبين التأثير في الوجدان الجمعي. و ربما تُعَدُّ القصائد التي تستجيب لهذا الشرط، بالعشرات. أمّا إن أراد المرء أن يقدّم أمثلة على ذلك فيمكن اقتراح القصائد التي سأذكرها، استنادا إلى ترتيب زمني تقريبي، وبعيدا عن أيّة حساسيات إيديولوجية أو عقائديّة أو قُطْرِيّة وذلك انسجاما مع روح الموقف التاريخي العامّ من المعلّقات، فرغم مخالفة بعض ما جاء فيها لتعاليم الإسلام فهي لم تحرق ولم ينه أحد عن قراءتها ولم تتمّ إدانة قائليها. أما القصائد الجديرة بالاختيار، فمن بينها:
- نهج البردة، لأحمد شوقي، لكونها دشّنت أسلوبا جديدا في الشعر الديني المنفتح على العصر الحديث.
- الطلاسم، لإيليا أبو ماضي، لأنّها فتحت الشعر العربي على عالم الحيرة الوجوديّة الفرديّة، في بُعدها الإنساني المجرّد.
- إرادة الحياة، لأبي القاسم الشابّي، لكونها قد صوّرت مفاهيم التحرّر الوطني والاجتماعي، وأعلت من قيم البطولة الجماعيّة للشعب.
- المواكب (والتي اشتهرت منها أبيات "أعطني الناي وغنّ")، لجبران خليل جبران، لأنّها تغنّت بالطبيعة باعتبارها عنوان البراءة والقيم الصافية التي لم يدنّسها البشر.
- الأطلال، لإبراهيم ناجي، (وإن كانت صيغتها الشائعة مأخوذة من أكثر من قصيدة) باعتبار أنّها زاوجت بين القديم والجديد وشكّلت ربما أجمل لقاء بين الشعر والموسيقى في العصر الحديث.
- أنشودة المطر، لبدر شاكر السياب، وهي قصيدة شاملة، وإن انطلقت من بوح شخصي حميمي.
- الكوليرا، لنازك الملائكة، بسبب تناولها المتميّز للوباء وللموت، بعيدا عن التصوّر التقليدي، ومن منظور شعري إنساني.
- طفولة نهد، لنزار قباني، باعتبارها قاربت الجسد بأسلوب متحرّر من العُقد ومن القيود الاجتماعيّة واستعادت المصالحة مع الغزل الحسّي في الشعر العربي.
- أغاني مهيار الدمشقي، لأدونيس، لأنّها عنوان يشهد على ولادة مدرسة شعرية واعية بحداثتها واختلافها والتحامها بالعالم.
- جدارية محمود درويش، لوقوفها على تجربة الموت بأسلوب فريد، وهي في حدّ ذاتها ربما تعتبر معلّقة حديثة تامّة الشروط.
تلك هي أمثلة من قصائد تستجيب إلى الشرط المُقترَح. ويمكن أن نضيف إليها قصائد أخرى شهيرة ومؤثرة لشعراء مثل إبراهيم طوقان، أو محمد مهدي الجواهري، أو أحمد عبد المعطي حجازي، أو صلاح عبد الصبور، أو عبد الوهاب البياتي أو أمل دنقل أو سعدي يوسف أو أنسي الحاج أو سركون بولص أو محمّد بنيس أو منصف الوهايبي وغيرهم كثير.
وإذا كان هذا الاختيار يعبّر عن ذوق شخصي، فيمكن أن تتولّى لجنة من نقاد أو باحثين مشهود لهم في مجال الشعر العربي الحديث، ضبط قائمة القصائد العربية التي يمكن أن ترتقي إلى مرتبة "معلّقات العصر" أو "المعلّقات الحديثة". فربما حان الوقت لأن نشيّد لشعرنا الحديث مزيدا من المعالم التي تخلّده. وحتّى إن لم يحصل اتّفاق على كلّ القصائد التي تستحقّ التخليد، فيمكن أن تصدر أكثر من قائمة من هيئات مختلفة، أو يكون هناك سِجِلّ مفتوح تضاف إليه في كلّ سنة قصيدة.
رغم كلّ الأزمات والخيبات التي تمرّ بها البلاد العربيّة، فإنّ الثقافة عموما لا تعيش أسوأ أيّامها، خلافا لما هو شائع من جلد للذات. وازدهار الشعر ليس مرتبطا بالسياسة ولا بحالة المجتمع بصفة آليّة. فهناك مبادرات عديدة في أكثر من بلد عربي خدمة للتراث وللغة العربية وللأدب والفنّ. ولعلّ الشعر العربي الحديث يستحقّ احتفاء يليق بمنزلته في بناء الثقافة العربية الحديثة. وربما مثّلت القصائد المختارة، أو ما يمكن تسميته بالمعلّقات العربية الحديثة، رسالة للإنسانيّة من أمّة قيل إنّ الشعر ديوانها.