منذ نشأتها مع الأخوين لوميير، اعتُبرت السينما بصفة عامة مرآةً للواقع، وسيلةً لتصوير ما نعيشه ونراه. غير أن المخرج الإيطالي فيديريكو فليني يعتبر من السينمائيين القلائل الذين قلبوا هذه المعادلة رأسًا على عقب: بالنسبة له، لا يوجد الواقع الحقيقي خارج ذواتنا، بل في داخل كل منا، في الأحلام، والهواجس، في تلك الصور الهاربة التي تزورنا ليلًا وتفلت منّا مع أول خيط من الصباح، ثم ما تلبث أن تعود لتختفي من جديد.
لم يكن فليني مجرد راوٍ للحكايات، بل كان مستكشفًا لمتاهات النفس، يغوص في أعماقها ليحوّل مادتها الخام، الحلم، الرغبة، القلق، إلى صور سينمائية آسرة، أقرب إلى الطقوس منها إلى السرد التقليدي.
كيف تم هذا الانتقال إذن في سينما هذا الفنان العالمي الكبير من سينما " واقعية مباشرة " إلى حد ما، إلى سينما أكثر التصاقا بعوالم الحلم والسحر والخيال؟ لكن السؤال الأساسي الذي نطرحه في هذه المقالة هو التالي: ماذا عن تأثير التحليل النفسي بصفة خاصة في هذا التحول الذي باشره فليني من سينما " الواقع " إلى سينما الحلم و الخيال كما سيتجسد ذلك بصفة خاصة في فيلمه العجائبي " ثمانية و نصف"؟ ما هو الدور الذي لعبه التحليل النفسي في هذا التحول؟
إرنست بيرنهارد: حين يصبح الحلم مادة للفن
تقودنا هذه الرحلة إلى شخصية أساسية قلّما تُذكر خارج الدوائر المتخصصة: إرنست بيرنهارد (1896 – 1956) المحلل النفسي الألماني الذي فرّ من النازية ليستقر في روما، ويصبح من أبرز ممثلي مدرسة كارل غوستاف يونغ في إيطاليا.
لم يكن بيرنارد معالجًا تقليديًا، بل كان يرى النفس بوصفها فضاءً رمزيًا حيًا، تعبره الأساطير والصور البدئية. بالنسبة له، اللاوعي، على عكس تصور سيغموند فرويد، ليس مجرد مستودع للعُقد، بل خزان خصب للخيال.
في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، التقى فليني ببيرنهارد في لحظة أزمة إبداعية عميقة كان يمر منها السينمائي الكبير و كادت تؤدي به إلى الصمت و التوقف عن الإنتاج السينمائي. كان يخشى أن ينضب خياله، أن يفقد صوته. كان قد أنجز شريطه الهام " الحياة الحلوة " سنة 1960 و حقق بفضله جوائز عالمية أهمها السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائي في نفس السنة، و جائزة الأوسكار لأفضل تصميم أزياء، و كان قد رشح لعدة جوائز أوسكار أخرى ( الإخراج، السيناريو، الديكور...). و حقق الفيلم نجاحا جماهيريا كبيرا في إيطاليا و خارجها. و أثار جدلا كبيرا بسبب جرأته في تناول قضايا حساسة دينية ز جنسية و اجتماعية و غيرها..
ضمن هذه الأجواء، و في قمة نجاحه، غمرته أزمة نفسية حادة، يمكن اعتبارها ضريبة النجاح. أو الخوف من العجز عن الاستمرار الإبداع. و كان اللقاء بالمحلل النفسي بيرنهارد الذي سيؤدي إلى قلب مساره الإبداعي رأسا على عقب.
إن ما وجده فليني عند بيرنهارد لم يكن علاجًا بالمعنى الكلاسيكي، بل دعوة إلى الإنصات إلى ذاته. بدل أن يطلب منه بيرنهارد كبت هواجسه، شجّعه على تتبعها، بل ورسمها. ومن هنا وُلد ما سيُعرف لاحقًا بـ " كتاب الأحلام ".. يتعلق الأمر بمجموعة دفاتر ملأها فليني على مدى عقود برسومات أحلامه وكوابيسه، لتصبح لاحقًا منجمًا بصريًا استخرج منه مادته السينمائية.
السينما كجلسة تحليل نفسي:
إذا كان لقاء بيرنهارد هو الشرارة، فإن فيلم 8½ ( 1963) هو الانفجار الإبداعي الكامل. يحكي الفيلم قصة مخرج يعيش أزمة فنية، لكنه في العمق يحكي عن فليني نفسه. هنا، تختفي الحدود بين الواقع والذاكرة والحلم. لا يعود الفيلم سردًا خطيًا، بل يتحول إلى تدفّق حر للصور، أقرب إلى ما يسميه التحليل النفسي "التداعي الحر".
لا يتابع المشاهد قصة بقدر ما يتجول داخل عقل: داخل "جمجمة" مخرج يحاول أن يفهم نفسه. وكأن السينما، هنا، لم تعد وسيلة تمثيل، بل أصبحت أداة تحليل. إذا كان سيغموند فرويد يرى أن الحلم هو تحقيق رغبة مقنّعة، فإن سينما فليني تبدو كأنها هذا الحلم بعد أن فقد آليات الرقابة، وانفتح على فوضاه الكاملة.
المرأة كمرآة داخلية: الأنيما عند فليني
ضمن أفق علم النفس التحليلي، يمثل مفهوم الأنيما الجانب الأنثوي في لاوعي الرجل. وعند فليني، تتحول المرأة إلى صورة داخلية أكثر منها شخصية واقعية. الأم، العاهرة، الملهمة، الطيف… كلها وجوه متعددة لكيان واحد. شخصيات مثل "الساراغينا " في 8½ لا تُفهم كأفراد، بل كرموز: للرغبة، للذنب، للانجذاب والخوف في آن واحد.
ليست المرأة عند فليني موضوعًا، بل مرآة. ليست حضورًا خارجيًا، بل انعكاس لاضطراب داخلي، حيث تتداخل الرغبة مع القلق، والجاذبية مع التهديد. ويبلغ هذا المنحى ذروته في أفلام مثل "جولييت و أرواحها" (1965)، حيث تتحول العوالم النفسية إلى فضاءات بصرية صريحة ومكثفة.
اللاوعي كعرض سيركي
ما يميز فليني عن غيره، هو أنه لا يصور اللاوعي كمكان مظلم فقط، بل كعرض صاخب، كـ"سيرك". أجساد مبالغ فيها، وجوه كاريكاتورية، شخصيات غريبة… كأن النفس لا تتكلم بل تستعرض.
هذا البعد الاحتفالي يجعل من اللاوعي عنده فضاءً حيًا، نابضًا، يتجاوز المرض والعلاج ليصبح طاقة إبداع.
في النهاية، لا تبدو السينما عند فليني مجرد فن، بل ممارسة قريبة من العلاج . ليس علاجًا بالمعنى الطبي، بل توازنًا جماليًا مع الفوضى الداخلية.